الخوف من فوات الأحداث: ماذا تفعل المنصات الرقمية بصحتنا النفسية؟

الخوف من فوات الأحداث: ماذا تفعل المنصات الرقمية بصحتنا النفسية؟
الخوف من فوات الأحداث: ماذا تفعل المنصات الرقمية بصحتنا النفسية؟
أثير-جميلة العبرية
قد يكون الشخص محاطًا بأسرته وأصدقائه، لكنه يشعر بالوحدة، أو يتابع يوميات الآخرين حتى يصبح غياب هاتفه مصدرًا للقلق، وقد ينتقل بين عشرات المقاطع القصيرة دون أن يتذكر معظمها، فهل جعلتنا المنصات أكثر تواصلًا، أم غيّرت طبيعة علاقاتنا وصحتنا النفسية؟
هذه التساؤلات جمعها الدكتور أيمن السعيدي في ورقة بعنوان “الأبعاد النفسية والاجتماعية لاستخدام المنصات الرقمية”، قدمها مؤخرًا ضمن ندوة “منصات الإعلام الرقمي بين الحرية والمسؤولية”، التي نظمها مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، التابع لديوان البلاط السلطاني، في 27 أكتوبر 2026م.
وترصد “أثير” أبرز ما طرحه الدكتور السعيدي حول الإدمان الرقمي والعزلة الاجتماعية، وتأثير المحتوى القصير في الانتباه والذاكرة، وضغوط المقارنة الاجتماعية، وسبل تحقيق التوازن الرقمي.

متى يتحول الاستخدام إلى مشكلة؟

ميّز الدكتور السعيدي بين الاستخدام المعتاد للمنصات و“الاستخدام الإشكالي“، الذي يصعب التحكم فيه، ويؤثر سلبًا في الحياة اليومية أو العلاقات أو الصحة النفسية أو الأداء الدراسي والمهني.
واستند إلى دراسة نُشرت عام 2025م في مجلة “Scientific Reports”، وشملت 715 طالبًا جامعيًا، بمتوسط استخدام بلغ 3.02 ساعات يوميًا، وكشفت ارتباط الاستخدام الإشكالي بارتفاع الاحتراق النفسي الرقمي والرغبة في تقليل استخدام المنصات أو الانقطاع عنها، مع دور للقلق الاجتماعي في تعزيز هذه العلاقة.

لماذا نخشى أن يفوتنا شيء؟

تطرق الدكتور السعيدي إلى ظاهرة “الخوف من فوات الأحداث” المعروفة بـ“FoMO”، التي تدفع المستخدم إلى متابعة المستجدات خشية تفويت التجارب أو المعلومات التي يتداولها الآخرون.
واستحضر دراسة صينية نُشرت عام 2025م، شملت 417 طالبًا جامعيًا على مدى 12 شهرًا، وأظهرت ارتباط الشعور بالوحدة بالاستخدام الإشكالي للمنصات، مع دور وسيط للخوف من فوات الأحداث.
وشرح كيف قد تبدأ الحلقة بمنشور يثير القلق، فيدفع إلى التصفح المستمر والمقارنة بالآخرين، ثم الشعور بالحزن والإرهاق، قبل العودة إلى المنصة بحثًا عن الاطمئنان.

“تعفّن الدماغ”، ماذا يعني المصطلح؟

خصص الدكتور السعيدي محورًا لمفهوم “تعفّن الدماغ” أو “Brain Rot”، الذي اختاره قاموس أكسفورد كلمة العام 2024م، ويصف التدهور المفترض في الحالة العقلية أو الفكرية نتيجة الإفراط في استهلاك المحتوى التافه أو غير المحفز فكريًا، وهو وصف ثقافي وليس تشخيصًا طبيًا.
وأورد دراسة سعودية نُشرت في مجلة “Acta Psychologica” عام 2025م، وشملت 745 مشاركًا، وجدت ارتباطًا بين التصفح المستمر وغير المقصود للفيديوهات القصيرة وصعوبات الانتباه والذاكرة العاملة والإرهاق المعرفي.
واستشهد بتقرير “إنترنت السعودية 2025”، الذي أشار إلى أن 61.3% من مستخدمي الإنترنت في المملكة يقضون سبع ساعات أو أكثر يوميًا، مع أهمية التمييز بين مدة الاستخدام وطبيعة المحتوى، وأن الارتباطات البحثية لا تثبت وحدها العلاقة السببية.

حين تصبح صور الآخرين معيارًا للجمال

سلّط الدكتور السعيدي الضوء على تأثير الصور المثالية والمعدلة رقميًا والمقارنة المستمرة بالمؤثرين والمشاهير في الرضا عن المظهر.
واستشهد بدراسة أوردها العرض عن جامعة بريغهام يونغ الأمريكية عام 2024م، أفاد فيها 40% من المراهقين المشاركين بأن صور المنصات أثارت قلقهم بشأن مظهرهم، فيما أبلغت 71% من المشاركات عن زيادة عدم الرضا عن أجسادهن بعد مشاهدة صور عارضات قُدّمت بوصفها مثالية.
وأشار إلى القانون الفرنسي رقم 451-2023، الذي يتضمن أحكامًا للإفصاح عن الصور المعدلة رقميًا لتغيير مظهر الوجه أو الجسم، والصور الافتراضية المستخدمة في النشاط التجاري للمؤثرين.


هل الابتعاد أسبوعًا يحسّن الحالة النفسية؟

طرح الدكتور السعيدي مفهوم “الرفاه الرقمي”، الذي يقوم على استخدام التقنية بما يدعم الصحة النفسية والاجتماعية ويحافظ على الأولويات والعلاقات.
واستعرض دراسة بريطانية عام 2022م، شملت 153 مشاركًا، قارنت بين مجموعة توقفت عن استخدام وسائل التواصل أسبوعًا وأخرى واصلت استخدامها، وأظهرت تحسن الرفاه النفسي وانخفاض أعراض القلق والاكتئاب لدى مجموعة التوقف المؤقت.
وتناول مبادرة “سينك” التي أطلقها مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي “إثراء” لتعزيز الاتزان الرقمي، مؤكدًا أن المنصات قد توفر التواصل والدعم الاجتماعي والتعبير عن الذات، فيما ترتبط بعض أنماط استخدامها بمخاطر نفسية واجتماعية.

وعن كيف نحقق التوازن الرقمي؟

اختتم الدكتور السعيدي ورقته بالدعوة إلى تعزيز التربية الإعلامية الرقمية، وتوعية المستخدمين بآليات المقارنة الاجتماعية، وتطوير مهارات التنظيم الذاتي لإدارة أوقات الاستخدام.
وشملت توصياته تشجيع الأسر على الاتفاق بشأن حدود استخدام المنصات، وتعزيز الحوار حول الممارسات الرقمية اليومية، وتوسيع مسؤولية الشركات التقنية عن سلامة تجربة المستخدم.
وتستهدف هذه التوصيات تحقيق التوازن بين الاستفادة من المنصات وحماية الصحة النفسية والاجتماعية، مع الاهتمام بطبيعة الاستخدام وتأثيره في حياة الفرد وعلاقاته.

شارك هذا الخبر