أثير - ريما الشيخ
يجلس طالب أنهى دبلوم التعليم العام أمام قائمة التخصصات، يتنقل بين خيارات يعرفها جيدًا: الهندسة، والطب، والصيدلة، والإدارة، وتقنية المعلومات، محاولًا ترتيب رغباته وفق معدله وما يراه مناسبًا لمستقبله.
هذا المشهد كان قبل نحو عشر سنوات، حين كانت خريطة التخصصات الجامعية أقل تشعبًا، وكانت مجالات مثل الهندسة والإدارة تستحوذ على جزء كبير من المقبولين، فيما كانت تخصصات تقنية نعرفها اليوم إما محدودة الحضور أو تندرج تحت مسميات أوسع.
أما الطالب اليوم، فيجلس أمام شاشة القبول الموحد بقائمة أكثر تنوعًا، ما تزال أمامه الهندسة والطب والصيدلة والتخصصات الصحية والإدارة، لكن إلى جوارها ظهرت خيارات مثل الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني، وأصبح عليه أن يوازن بين رغبته، ومعدله التنافسي، وما يسمعه عن فرص العمل بعد التخرج.
وبين المشهدين نحو عقد من الزمن، تغيرت خلاله خريطة القبول، وتقدمت تخصصات وتراجعت أخرى، كما تغيرت رغبات الطلبة نفسها، واتسعت قائمة البرامج المستحدثة استجابة لأولويات التنمية وسوق العمل.
فماذا تكشف الأرقام عن التخصصات التي صعدت في سلطنة عُمان، وتلك التي فقدت جزءًا من حضورها؟ وهل تتطابق التخصصات التي يقبل فيها الطلبة مع تلك التي يضعونها في مقدمة رغباتهم؟
قبل عشر سنوات.. الهندسة في الصدارة
وفقًا للتقرير الإحصائي للقبول الموحد للعام الأكاديمي 2015/2016، بلغ إجمالي المقبولين 25,469 طالبًا وطالبة، تصدرتهم الهندسة والتقنيات ذات الصلة بـ8,253 مقبولًا، أي 32.4% من الإجمالي، تلتها الإدارة والمعاملات التجارية بـ6,684، ثم تكنولوجيا المعلومات بـ3,641 مقبولًا.
ووفقًا للبيانات الأحدث التي حصلت عليها “أثير”، وتغطي الأعوام الأكاديمية من 2016/2017 حتى 2026/2027، تكشف تغيرًا في أعداد المقبولين وتوزيعهم بين التخصصات.
فقد ارتفع عدد المقبولين في تكنولوجيا المعلومات من 3,255 في 2016/2017 إلى 6.266 في 2024/2025، قبل أن ينخفض إلى 5.147 في 2025/2026، ويصل إلى 5,579 حتى الآن في 2026/2027، بزيادة تقارب 71.4% مقارنة بعام 2016/2017.
أما الهندسة، فسجلت 7,064 مقبولًا في 2024/2025، ثم 6,033 في 2025/2026، و7,490 حتى الآن في 2026/2027، وفي المقابل، وصلت أعداد المقبولين في الإدارة والمعاملات التجارية إلى 7,714، لتتصدر المجالات في أحدث البيانات.
وبلغ إجمالي المقبولين 27,977 طالبًا وطالبة في 2025/2026، فيما لا تزال عملية القبول مستمرة للعام 2026/2027، الذي خُصص له 34,113 مقعدًا دراسيًا.
ماذا يريد الطلبة فعلًا؟
تكشف بيانات المتقدمين الناجحين حسب رغبتهم الأولى جانبًا مختلفًا عن أعداد المقبولين، إذ تصدرت الصحة اختيارات الطلبة في 2026/2027 بـ8,930 طالبًا وطالبة، تلتها الهندسة بـ7,296، ثم التربية بـ6,965، والإدارة والمعاملات التجارية بـ6.185، والمجتمع والثقافة بـ5,445، وتكنولوجيا المعلومات بـ5,016.
وبلغ إجمالي المتقدمين الناجحين الواردين في بيانات الرغبة الأولى 46,952 طالبًا وطالبة، مقارنة بـ40,104 في 2022/2023، بزيادة تقارب 17.1%.
وشهدت الصحة ارتفاعًا في الرغبات الأولى من 5,338 إلى 8,930 خلال هذه الفترة، بزيادة 67.3%، فيما ارتفعت رغبات تكنولوجيا المعلومات من 1,601 إلى 5,016، بنسبة تقارب 213.3%.
وفي المقابل، تراجعت الرغبات الأولى في الإدارة والمعاملات التجارية من 11,078 إلى 6,185، بانخفاض يقارب 44.2%، رغم استمرارها ضمن أكبر المجالات من حيث أعداد المقبولين.
التخصص الأكثر رغبة ليس بالضرورة الأكثر قبولًا
تظهر المقارنة بين الرغبات الأولى وأعداد المقبولين تفاوتًا لافتًا، ففي العام الأكاديمي 2026/2027 اختار 8,930 طالبًا وطالبة الصحة رغبة أولى، مقابل 2,319 مقبولًا حتى الآن، بينما سجلت التربية 6,965 رغبة أولى مقابل 2,034 مقبولًا.
وفي المقابل، بلغ عدد المقبولين في الهندسة 7,490 مقابل 7,296 رغبة أولى، وفي تكنولوجيا المعلومات 5,579 مقابل 5,016 رغبة أولى.
وتوضح هذه الأرقام أن ارتفاع الإقبال على تخصص معين لا يعني بالضرورة ارتفاع أعداد المقبولين فيه بالنسبة نفسها، كما أن أعداد المقبولين قد تشمل طلبة وضعوا المجال ضمن رغباتهم الأخرى، وليس بالضرورة رغبتهم الأولى، ولا تمثل الفروق بين الرقمين أعدادًا للطلبة الذين لم يحصلوا على مقاعد دراسية.
التربية.. تراجع قبول الإناث وارتفاع الذكور
تكشف بيانات التربية عن تحول واضح في توزيع المقبولين حسب الجنس، ففي 2016/2017 بلغ عدد المقبولين 357 ذكرًا مقابل 447 أنثى، بينما ارتفع عدد الذكور إلى 1,453 في 2026/2027، مقابل 581 أنثى.
وشهد قبول الإناث تراجعًا خلال الأعوام الأخيرة، من 1,027 في 2023/2024 إلى 690 في 2024/2025، ثم 605 في 2025/2026، وصولًا إلى 581 في أحدث البيانات.
وتوضح البيانات أن انخفاض القبول في بعض التخصصات التربوية للإناث يعود إلى تشبع سوق العمل بمخرجاتها، مقابل الإبقاء على برامج الطلبة الذكور وفق احتياجات سوق العمل.
ورغم ذلك، احتلت التربية المرتبة الثالثة بين التخصصات الأكثر اختيارًا كرغبة أولى في 2026/2027، بـ6,965 طالبًا وطالبة، مقارنة بـ9,167 في 2022/2023.
تخصصات أخرى تتغير
لم يقتصر التغير على المجالات الكبرى، فقد انخفض عدد المقبولين في العلوم الطبيعية والفيزيائية من 1,605 في 2016/2017 إلى 839 في 2026/2027، بتراجع يقارب 47.7%.
وفي المقابل، ارتفع القبول في العمارة والإنشاء من 112 إلى 859، وفي الصحة من 1.171 إلى 2,319، فيما ارتفعت الرغبات الأولى في المجتمع والثقافة من 2,558 في 2022/2023 إلى 5.445 في 2026/2027.
وتوضح البيانات أن هذه التغيرات ترتبط بتوجيه المقاعد الدراسية وفق أولويات التنمية الوطنية واحتياجات سوق العمل، مع التوسع في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وهندسة النظم المستدامة.
كما شهدت الأعوام الأخيرة استحداث تخصصات تشمل الخدمات الطبية الطارئة، وإدارة الموانئ والشحن المستدام، والذكاء الاصطناعي الجغرافي، وتحليل البيانات الضخمة، وسياسات المناخ والطاقة، والعلوم الصحية المتقدمة، والفنون المسرحية والسينمائية.
وفي يونيو 2024، اعتمد مجلس جامعة السلطان قابوس طرح برنامج بكالوريوس الذكاء الاصطناعي، إلى جانب برامج أخرى في الاقتصاد الرقمي والطب البيطري، ضمن تطوير البرامج الأكاديمية ومواءمتها مع سوق العمل.
هل تتوافق اختيارات الطلبة مع سوق العمل؟
أظهرت نتائج مسح أرباب العمل لعام 2025 أن المجالات التي يفضل أرباب العمل المشاركون توظيف خريجيها مستقبلًا تتصدرها الإدارة والتجارة، ثم الهندسة والتقنيات ذات الصلة، وتكنولوجيا المعلومات، وهو ترتيب يختلف عن رغبات الطلبة التي تتصدرها الصحة.
كما أفادت 38% من الشركات المستجيبة بمواجهتها صعوبات في توظيف الخريجين العُمانيين، وكان نقص الخبرة من أبرز الأسباب، فيما بلغت نسبة مؤسسات القطاع الخاص المتعاونة مع مؤسسات التعليم العالي 23%.
وفي السياق نفسه، أشار تقرير متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040 إلى اعتماد معدل التوظيف بوزن 3% ضمن معايير المفاضلة بين مؤسسات التعليم العالي في نظام الابتعاث الداخلي، بما يعزز ربط التعليم بفرص العمل.
ماذا تغير خلال عقد؟
خلال عشر سنوات، تغيرت خريطة التخصصات الجامعية في سلطنة عُمان، فبعد أن كانت الهندسة تتصدر أعداد المقبولين، توسع القبول في تكنولوجيا المعلومات، وأصبحت الصحة في مقدمة رغبات الطلبة، بينما تراجعت الرغبة في الإدارة والمعاملات التجارية رغم استمرارها ضمن أكبر مجالات القبول.
كما شهدت بعض التخصصات تراجعًا في أعداد المقبولين، مقابل ظهور برامج جديدة في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني، استجابة لاحتياجات سوق العمل.
ومع هذه التحولات، هل تتوافق التخصصات التي يختارها الطلبة اليوم مع فرص العمل التي تنتظرهم بعد التخرج؟






