أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
من تصدير النفط إلى استقطاب الاستثمارات، ومن الشراكة التجارية إلى آفاق التكنولوجيا والفضاء؛ تتجاوز الزيارة المرتقبة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه لله ورعاه- إلى جمهورية الصين الشعبية بدءًا من يوم غد الأحد 1 نوفمبر، حدود اللقاءات الدبلوماسية، لتطرح أسئلة اقتصادية تتصل بمستقبل الشراكة بين البلدين، وقدرة الاقتصاد العُماني على استثمار الفرص التي يتيحها أحد أكبر الاقتصادات العالمية.
في حوار خاص أجرته ”أثير“ مع الشيخ الدكتور عبدالله بن صالح السعدي، سفير سلطنة عُمان السابق لدى جمهورية الصين الشعبية خلال الفترة من 2006 إلى 2022، يقرأ لنا دلالات الزيارة وأبعادها السياسية والاقتصادية، مستندًا إلى تجربة دبلوماسية امتدت 16 عامًا في بكين، شهد خلالها تطور العلاقات من التركيز على التجارة والطاقة إلى شراكة إستراتيجية أوسع. ويتحدث عن دلالات لقاء القادة، وما يمكن أن تكسبه عُمان اقتصاديًا وتقنيًا، والفرص التي تنتظر القطاع الخاص، وصولًا إلى السؤال الأهم: هل تكتفي عُمان باستيراد التكنولوجيا الصينية، أم تستطيع أن تكون شريكًا في صناعتها وتوطينها؟
ما وراء الزيارة؟
يصف السعدي زيارة جلالة السلطان إلى الصين بأنها ”استثنائية بكل المقاييس“، مشيرًا إلى أنها أول زيارة لسلطان عُماني إلى جمهورية الصين الشعبية منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 25 مايو 1978.
ويوضح أن أهميتها تتجاوز اللقاءات الرسمية، لتدخل في ما يُعرف بـ”دبلوماسية القيادة”، التي تحظى بمكانة خاصة لدى الجانب الصيني؛ إذ تمنح لقاءات القادة دفعة للعلاقات الثنائية، وتتيح توجيهها نحو مجالات أوسع من التعاون.
ويرى أن الزيارة تأتي في توقيت مهم لتعزيز الشراكة الاستراتيجية التي أُبرمت بين البلدين في عام 2018، وفتح مسارات جديدة لتطويرها سياسيًا واقتصاديًا وتقنيًا.
ويقول السعدي إن ”ما بعد الزيارة لن يكون كما قبلها“، موضحًا أن لقاء قائدي البلدين يمكن أن يشكل انطلاقة جديدة للعلاقات، ويمنح المؤسسات الاقتصادية الصينية حافزًا أكبر لاستكشاف فرص التعاون والاستثمار في سلطنة عُمان.
من براميل النفط إلى فرص الاستثمار
خلال سنوات عمله في بكين، كان توسيع التعاون الاقتصادي أحد المحاور التي ركز عليها السعدي، في ظل علاقة قامت على التجارة والطاقة، وكانت عُمان من الدول المبكرة في تصدير النفط إلى السوق الصينية.
ويستعيد السعدي كيف اتجهت العلاقة إلى مجالات أوسع، شملت الاستثمار والصناعة والتعليم والثقافة، مستفيدة من الروابط التاريخية بين البلدين ومن الثقة التي تراكمت عبر سنوات التعاون.
ويشير إلى أن المواقف العُمانية القائمة على التوازن والاعتدال، ودعم السلام والأمن الدوليين، أسهمت في تعزيز التفاهم مع الجانب الصيني، إلى جانب استمرار التشاور السياسي والاستراتيجي بين البلدين.
ومن هذه الخلفية، يقرأ السعدي الزيارة بوصفها فرصة لدفع العلاقة الاقتصادية إلى مستوى أكثر اتساعًا، بحيث لا تبقى التجارة والطاقة عنوانها الأبرز، بل تتقدم معها الاستثمارات والمشروعات المشتركة.
أين يمكن أن تظهر المكاسب؟
يرى السعدي أن الاقتصاد العُماني يمكن أن يستفيد من الزيارة عبر تنامي اهتمام الشركات والمؤسسات الصينية بالسوق المحلية، مشيرًا إلى أن التوجهات الصادرة عن القيادة الصينية يمكن أن تنعكس على تحركات المؤسسات الاقتصادية في البلاد.
ويضع السياحة ضمن القطاعات التي يمكن أن تستفيد من هذا التقارب، إلى جانب الاستثمار والتجارة، موضحًا أن ما تتمتع به سلطنة عُمان من مقومات جغرافية وسياحية، فضلًا عن نهجها الداعم للاستقرار والسلام، يمنحها عناصر يمكن البناء عليها في استقطاب الشركاء الصينيين.
ولا يتوقف الأمر، في قراءته، عند زيادة اهتمام الشركات بالسوق العُمانية، بل عند القدرة على تحويل هذا الاهتمام إلى مشروعات فعلية وشراكات طويلة الأجل.
وهنا تبرز مسؤولية القطاع الخاص العُماني في استكشاف الفرص، وبناء العلاقات مع الشركات الصينية، وتحديد المجالات التي يمكن أن تحقق قيمة مضافة للاقتصاد المحلي.
هل تشتري عُمان التكنولوجيا أم تشارك في صناعتها؟
في وقت تتوسع فيه الصين في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، يطرح الحوار سؤالًا يتجاوز استيراد الحلول الجاهزة: أين ينبغي أن تقف عُمان في هذه المعادلة؟
يجيب السعدي بأن الخيارين ممكنان؛ الاستفادة من التكنولوجيا الصينية، وبناء شراكات تتيح المشاركة في تطويرها وتوطينها. ويشجع القطاع الخاص العُماني على التوجه إلى المؤسسات الصينية، معتبرًا أن الزيارة يمكن أن تفتح فرصًا أوسع أمام التجار والمستثمرين للاستفادة من التقدم التقني الصيني.
ويكشف أنه تواصل معه عدد من الشركات الراغبة في دخول السوق العُمانية في المجال التكنولوجي، وهو ما يراه مؤشرًا على وجود اهتمام يمكن البناء عليه.
من التكنولوجيا إلى الفضاء: ماذا عن نقل المعرفة؟
تمتد الفرص التي يتحدث عنها السعدي إلى قطاعات الفضاء والأقمار الصناعية والعلوم والبحوث، حيث يرى أن ما تمتلكه الصين من خبرات وتقنيات يتيح مجالًا واسعًا للتعاون مع المؤسسات العُمانية.
ويشير إلى أن مذكرات التفاهم التي ستُوقّع بين الجانبين، بحسب ما طرحه في الحوار، يمكن أن تشكل أساسًا لهذا التعاون، وتفتح المجال أمام الاستفادة من الخبرات الصينية في الصناعة والفضاء والبحث العلمي.
وتتجاوز أهمية هذا المسار الحصول على التقنيات الجاهزة إلى بناء قدرات محلية تتيح للكوادر العُمانية اكتساب المعرفة والخبرة، وتساعد على تطوير قطاعات تقنية قادرة على مواكبة التحولات العالمية.
وتبقى قيمة هذا التعاون مرتبطة بطبيعة الاتفاقات التي ستُبنى عليه، ومدى قدرتها على ترجمة التفاهمات إلى برامج عملية ومشروعات تنعكس على الاقتصاد والمهارات الوطنية.
تجربة من بكين: الاستثمار في الإنسان
لا تنحصر قراءة السعدي للعلاقات العُمانية الصينية في الاقتصاد والتكنولوجيا؛ إذ يستحضر تجربته مع الطلبة العُمانيين الذين بدأوا بالتوافد إلى الصين خلال فترة عمله، وما واجهوه من تحديات في التأقلم مع البيئة الجديدة.
ويقول إنه كان يتنقل بين المدن الصينية لزيارة الطلبة ومتابعة أحوالهم والمساعدة في حل مشكلاتهم، في وقت لم يكن فيه ملحق ثقافي يتولى هذه المهام. ومع مرور الوقت، أخذت أعداد الطلبة في الازدياد، سواء على نفقة الدولة أو على نفقتهم الخاصة.
وتكشف هذه التجربة جانبًا آخر من الشراكة، يتمثل في بناء الروابط الإنسانية والتعليمية التي يمكن أن تدعم العلاقات الاقتصادية مستقبلًا، وتُهيئ كوادر عُمانية أكثر معرفة باللغة والبيئة الصينية، وقادرة على التواصل مع مؤسساتها.
ما الذي تتطلبه المرحلة المقبلة؟
في ختام حديثه، يشدد السعدي على أن زيارة جلالة السلطان إلى الصين تحمل فرصًا لتعزيز الشراكة الإستراتيجية القائمة، وتوسيع التعاون في مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والفضاء والعلوم والسياحة.
وتبقى الاستفادة الاقتصادية من هذه الفرص مرتبطة بقدرة المؤسسات والقطاع الخاص على تحويل التقارب السياسي إلى مشروعات واتفاقات وشراكات قابلة للتنفيذ، والاستفادة من الخبرات الصينية بما يخدم الأولويات التنموية العُمانية.
وبين إرث تجاري ارتبط بالطاقة، وشراكة تتطلع إلى آفاق التقنية والابتكار، تبرز الزيارة محطة مهمة في مسار العلاقات العُمانية الصينية، وفرصة لتعزيز حضور الاقتصاد العُماني في واحدة من أبرز القوى الاقتصادية والتكنولوجية في العالم.






