الملفات” سيلفي” مع المرحوم أبي
تناول الكاتب في 2015 نماذج لصور سيلفي ارتبطت بالموت والفقر، وناقش أثر تداولها عبر وسائل التواصل وحدود التصوير حين يمس كرامة الإنسان وهيبة المواقف المؤلمة.
عبدالرزّاق الربيعي
مع انتشارها، أصبحت صور “سيلفي” تشكّل ظاهرة ثقافيّة ، لافتة للنظر، فقد اتّسعت حتى دخلت في جميع تفاصيل حياتنا، لكن أن تصل إلى درجة تصوير شيخ مسنّ في النزع الأخير ، من قبل ولده ،فهذه “مسألة فيها نظر” على حدّ تعبير الشاعر، ولا يمكننا التشكيك ببرّ الولد بأبيه ، فهو نشرها مع عبارة “سيلفي مع المرحوم أبي” ، من باب حبّه ،واعتزازه به، لكنّ الكثيرين من أصدقائه بـ”الفيس بوك” تردّدوا في عمل “لا يكات” على الصورة، لما تحمله من ألم ، ففي الوقت الذي كان الابن سعيدا بالتقاط صورة “سيلفي” ، من المؤكّد إنّها الأخيرة التي تجمعه بوالده ، كان الأب ، في أسوأ حالاته ،وما الحال الذي يكون عليه شيخ مسن في النزع الأخير؟ فهذا أمر لا يحتاج إلى شرح.
والسؤال الذي خطر ببالي، حين رأيت “سيلفي” الموت ،هو :كيف خطرت بذهن الابن فكرة أن يلتقط “سيلفي” مع والده، في تلك الدقائق العصيبة ؟ فبدلا من أن يسنده ،داعيا المولى أن يخفّف عن والده سكرات الموت ، ويغفر له ما تقدّم، وما تأخر من ذنبه ، وربّما فعل ذلك كلّه ، جالت برأسه فكرة التقاط تلك الصورة الموجعة ، فالتفكير بأمر دنيوي ، يقلّل من هيبة الموقف ، حتى لو صوّرها ،اعتزازا بوالده، كأيّ ابن بار ، ،بخاصّة إنّه قام نشرها ، ولم يحتفظ بها !
هذه الصورة ذكّرتني بصورة أخرى التقطت لقريبة بعد أن أهيل التراب على جثمانها ،وكنت حاضرا في تلك اللحظات ،مشلول التفكير ،مستغرقا بحوار مع نفسي حول الموت ،والمصير البشري، مردّدا آيات تعيد الطمأنينة للنفس ، وتضيء قبر الراحلة، لذا لم ألمح الشخص الذي تجرّد من كلّ شعور إنساني ،والتقط تلك الصورة التي وصلت خلال ثوان إلى ابنة لها تقيم بعاصمة أوروبيّة، ولكم أن تتخيّلوا حال تلك البنت التي حالت الظروف دون حضورها الجنازة وهي ترى بغربتها صورة امّها يهال على وجهها التراب
وفي السياق نفسه ، تداولتْ وسائل التواصل الاجتماعي صورة “سيلفي” لشاب مع حاوية قمامة يظهر داخلها طفل افريقي يبحث عن فضلات يسدّ بها جوعه! واعتبر الكثيرون هذا ” السيلفي” لا أخلاقيّا ، ويفتقر للذوق، والإنسانيّة، لذا ثارت الحميّة داخل أحد المشتركين بـ”تويتر”، فنشر الصورة معلنا ،عبر تغريدة ، تبرّعه بمبلغ للطفل كونه يبحث عن الرزق الحلال، ولم يتجه للحرام سائلا عمن يدلّه عليه، فساهم في انتشارها ، فكانت كرة مرتدّة وقعت على رأس الطفل ،وجعلت “الفضيحة بجلاجل” كما يقول المثل المصري !!.
وكلّنا نعلم إنّ الكثير من شركات المصنّعة تقف وراء نشر هذا الهوس بين الناس، فمن عصا “السيلفي” التي حظرت في أماكن حول العالم ،كونها تسبّب العديد من المضايقات للآخرين، وخصوصا ركّاب القطارات والحافلات ، والمتاحف إذ أن “هواة هذا النوع من التصوير يأخذون أوضاعا غير محترمة بجوار اللوحات الفنية الشهيرة”، كما أعلنتْ إدارة المتاحف الوطنية البريطانية أسوة بإدارات العديد من المتاحف الأميركية وإدارة متحف “قصر فرساي” الفرنسي ، رغم وجود تأكيدات على أن “متحف اللوفر في باريس ومتحف تيت بلندن يسمحان بدخول عصا السيلفي. كما يمكن استخدام عصا السيلفي في المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي في نيويورك” كما ورد في تقرير نشرته جريدة”العرب”اللندنيّة” مؤكّدة إن تلك الشركات خرجت بحذاء “السلفي” الذي يغني عن استعمال العصا ، ويساعد على التقاط الصور بواسطة الساقين ويتم برفع الساق ” والضغط على مستشعر موجود في الحذاء بإصبع القدم، “لتعالج مشكلة يعاني منها مستخدمو العصا لأنها تجبر المستخدم على استعمال إحدى يديه وبالتالي لا تظهر في الصورة،كما أكّدت مديرة التصميم في الأحذية الأميركية ميز موز!
إنّ هذه الظاهرة التي بدأتْ بالغرب ، وانتشرتْ حتى فقدتْ بريقها ، فوصلتنا ، كسائر الظواهر ،والصرعات، لها ما يبرّرها في المجتمع الغربي الذي يكرّس الفرديّة ، وهي نزعة قائمة على الفلسفة “البراغماتية” التي تدعو إلى النفعيّة ،والتنصل من الحياة الجمعيّة ، والمسؤوليّة الاجتماعيّة ، لذا ينبغي التنبيه إلى خطورتها بخاصة إذا تحوّلت إلى حالة من الهوس التي يفقد معها الواقع منطقه ، فتدخل في اطار لا إنساني، كما حصل مع صورة الابن البار “سيلفيّا” لحظة وفاة والده ، وفضيحة طفل صندوق القمامة!! .