الملفاتالحروب القادمة إسلامية بامتياز وأمريكا تعيد رسم سياساتها
عرض المقال في أبريل 2015 رأي الكاتب في انتقال الحروب من الغزو المباشر إلى الإكراه وإفشال الدولة وزعزعة استقرارها، وربط ذلك بكلفة القتال المباشر.
لــ: ناصر أبو عون
باحث بمركز الدراسات والبحوث
تشير الدراسات العسكرية وتؤكد الدراسات المستقبلية والاستراتيجية أن الولايات المتحدة الأمريكية غيرت نظرتها إلى العالم وبدلت مفاهيمها السياسية تجاه (نفسها) أولا ثم (الحضارات الأخرى) وتحديدا مع صدور أهم كتابين في العالم الأول باسم (نهاية التاريخ) للكاتب والمفكر الأمريكي يوشيهيرو فرانسيس صاحب الأصول اليابانية ويعد من أهم مفكري المحافظين الجدد. والكتاب الآخر تحت عنوان (صدام الحضارات) لصمويل هنتجنتون الأستاذ بجامعة هارفارد ومؤسس مجلة فورين بوليسي.
وقد توصل صانع ومخطط السياسة الأمريكية إلى نقطتين غاية في الأهمية لم ينتبه إليها إلا قليل من القادة العرب وثلة قليلة من قيادات العالم الثالث حتى الآن ومازالت الأكثرية منغمسة في نظرية المؤامرة إلى أذنيها أو تسير مغمضة العينين في نفق (التبعية المظلم) دون رغبة في التفكير للخروج من المأزق الإقليمي والداخلي والقالب الذي صبّت نفسها فيه. في حين أن مخطط السياسة الأمريكية أيقن مبكرا أنه حان الوقت للاعتراف أربعة مبادئ هي:
الأول: أيقن الأمريكيون بضرورة التخلي عن فكرة (أمركة العالم) والتحوّل إلى (أمركة الغرب) وآمنوا بأنه لكي تبقى (أمريكا قوة عالمية أولى)، وتبقى (الحضارة الغربية متفوقة) لابد من التخلي عن (عالمية الثقافة الغربية).. لأن هذا التوجه (الاستعماري) يتطلب من الأمريكيين العودة إلى صيغة (الاحتلال العسكري المباشر للشعوب) وعواقب هذا التوجه وخيمة وتسارع بهزيمة النموذج الأمريكي مثلما حدث مع السوفييت في أفغانستان. كما إنّ هذا التوجه الاستعماري يتناقض مع الأعمدة الرئيسة للثقافة الغربية المتمثلة في (حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها).
الثاني: أيقن الأمريكيون بأن كلا من فكرة (الثنائية القطبية) قد انتهت، وأنّ فكرة (القطب الواحد المسيطر على العالم) أضحت غير مجدية ولابد من العودة إلى السنة الكونية؛ (سنة التدافع بين القوى) حتى لا يفسد الكون {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}، ولابد من إفساح المجال لعالم متعدد الحضارات.
الثالث: لابد من ميلاد (كيان مركزي للحضارة الإسلامية) (دولة تتبنى مركزية الحضارة الإسلامية) لأن افتقاد الإسلام كديانة كبرى وأولى في العالم إلى دولة مركز واحدة يجعله مكانا للفوضى والنزاعات (داخليا وإقليميا وعالميا).
الرابع: أيقن الأمريكيون أنه بفشل صناعة دولة إسلامية تمثل (دور المركز للحضارة الإسلامية) (شيعية أو سنيّة) أو (دولتين إحداهما تقود السنة والأخرى تقود الشيعة)؛ فإن ذلك سيمثل خطرا كبيرا على الحضارة الغربية وبالتليل ليس من حلّ إلا بإدخال الطرفين (السني والشيعي) في حرب ضروس تنهك قوى الطرفين وتجعلهما في تبعية كاملة للحضارة الغربية.
وأكدت سلسلة الحروب العالمية والإقليمية بالصور والأرقام والإحصاءات أنّ (الغزو والحروب المباشرة واحتلال البلدان عسكريا) له تكلفة باهظة الثمن يدفعها البلد المعتدي ويخصم من رصيده الحضاري خلافا للكساد الاقتصادي وتراجع معدلات التنمية نتيجة إرهاق ميزانية الدولة بأعباء إضافية وإجراء تعديلات مجحفة على أبواب الموازنة العامة للدولة المعتدية لصالح باب التسلح والدفاع وتمويل الغزو) هذا بخلاف الآثار النفسية والتشوهات الجسدية التي تلحق بالجيوش.. ومع نهاية القرن العشرين بدأت مراكز الدراسات العسكرية والسياسية في البحث عن بدائل للغزو العسكري المباشر – الأكثر كلفة – بهدف الوصول إلى النتائج السياسية والاستراتيجية المطلوب تحقيقها من الهجمات العسكرية المباشرة بواسطة الجيوش النظامية.. وانتهت الدراسات إلى ظهور نموذج جديد من الحروب أطلقوا عليه مصطلح (الحرب الجديدة) كشف عنه البروفيسور الأمريكي ماكس مايوراين – لأول مرة – في محاضرة علنية ألقاها بمعهد الأمن القومي الإسرائيلي وتمَّ بثها على الهواء مباشرةً. وبمطالعة الأحداث والصراعات حول العالم الآن نجد تطابقا كاملا بين تعريف ماكس مايوراين [للجيل الرابع من الحرب 4GW]، والصراعات المسلحة حول العالم وخاصةً التي نعايشها في بلدان الشرق الأوسط ونموذجها المتطابق مع الوقائع المشاهدة في [سوريا، وليبيا، والعراق، ومصر].
وطبقًا لتعريف مصطلح (الحرب الجديدة) الذي أطلقه ماكس مايوراين فإن الاستراتيجية الجديدة الآن في الحروب هي التخلي عن فكرة (الغزو) و(الحرب المباشرة بين الدول) نظرا لارتفاع كلفتها المالية والنفسية، وما ينتج عنها من كساد اقتصادي، وما قد تخلفه من حنق داخلي وتأليب للرأي العام المحلي والدولي. واستبدال هذا النموذج الكلاسيكي بنموذج آخر جديد أطلقوا عليه في مراكز الدراسات العسكرية مصطلح [حرب الجيل الرابع 4GW] وهو مصطلح يحوي بداخله عدة نماذج مصغرة يمكن إجمالها على النحو التالي: (الحرب بالإكراه) ، (إفشال الدولة)، (زعزعة استقرار الدولة)، ثم فرض واقع جديد يراعي المصالح الأمريكية).
وبمحاولة دراسة الدوافع وراء إطلاق نموذج حرب الجيل الرابع (4GW)، فقد أكدت البحوث أنّ الدول الكبرى ومراكز أبحاثها العسكرية لجأت إلى هذا النموذج من الحروب لأسباب عديدة كان من أهم أسبابها (ارتفاع كلفة الحرب المباشرة بين الجيوش المنظمة، وفشل مخططات ما يسمى اصطلاحا بالغزو الفكري للشعوب والمعارضة الشديدة من جانب الرأي العام في بلدان الجيوش الغازية وما يستتبعه من كساد اقتصادي، وضحايا في صفوف الجيوش من جراء المقاومة المسلحة التي تقوم بها شعوب البلدان المحتلة. هذا بالإضافة إلى فشل نموذج التكتلات الدولية والتحالفات والحروب العالمية.