“أميتاب” وحراب التطرّف

ربط المقال بين وجود معبد هندوسي في مسقط وشواهد تاريخية أوردها عن حرية الأديان في عمان، مستندا إلى مذكرات رحالة وواقعة الطبيب ويلس توماس.

“أميتاب” وحراب التطرّف
Atheer - أثير

عبدالرزّاق الربيعي

 

قبل أيّام كنت مع صديق في جولة مسائيّة بمسقط القديمة ، وخلالها لفت نظري بناء كبير يقع على الساحل ، فسألت صديقي عنه أجاب” إنّه معبد يمارس به الهندوس طقوسهم التعبّديّة” ، وأكّد إنّ النجم الهندي “أميتاب” حين زار مسقط حرص على زيارة هذا المعبد ، الذي يعود تاريخ بنائه الى أكثر من 200 سنة ، ولم يفت اميتاب أن يعبّرعن دهشته لمساحة الحريّة التي تعطيها السلطنة لأتباع الأديان الأخرى لممارسة شعائرهم ، واليوم مع استفحال ظاهرة التطرّف الديني في عالمنا ،ماذا سيقول أميتاب لو شاهد الصور التي تبثّها مواقع المتطرّفين المتضمّنة صورا لذبح أزيديين ، ومسيحيّين ،وما يتعرّضون له من تدمير كنائسهم، وقبورهم، وتماثيل لرموزهم الدينية، وتحطيم للصلبان في المناطق التي يسيطرون عليها، و ذكرت وكالة فرانس برس في تقرير لها حول فيديو يظهر إعدام 12 شخصاً على شاطئ عبر فصل رؤوسهم عن أجسادهم، و16 شخصا في منطقة صحراوية عبر إطلاق النار على رؤوسهم إلى جانب إعدام 28 شخصاً من الإثيوبيين المسيحيين الذين أعدموا في ليبيا بعدما “رفضوا دفع الجزية” أو اعتناق الإسلام!!.

 

ولا نعرف من أين جاء هؤلاء بفتاوى قتل النفس التي حرّم الله لا لذنب سوى إنّهم من ديانة أخرى، ولا يشفع لها كونها توحيديّة ،لم لا؟ ألم يذبحوا اخوانهم المسلمين الذين ينتمون إلى طوائف أخرى؟ ليتهم قرأوا التاريخ ورأوا كيف تعامل الإسلام مع النصارى واليهود !

 

ولماذا نذهب بعيدا ؟ تعالوا نقرأ صفحة مضيئة من تاريخنا الحديث كي نرى روح التسامح في ديننا ،هذه الصفحة مستلّة من تاريخ عمان ،وتعبّر عن احترام العمانيين للأديان الأخرى، تتحدّث عن طبيب يدعى الدكتور ( ويلس توماس) وصل عمان عام 1941م لا ليتذكر مطرح التي حبا على ترابها عندما كان والده يعمل طبيبا فيها، ولا للعمل طبيبا ، بل كان له هدف آخر هو نشر الديانة المسيحية في مناطق عمان ،وقد صرّح بذلك ، ولم يتنصّل عن كونه من التبشريين ، بل كان يجهر بذلك ، حتى بلغ صيته مسامع الإمام (محمد بن عبدالله الخليلي) فاستدعاه إلى مقرّه بقلعة نزوى،عن ذلك اللقاء يذكر الدكتور علي بن سالم الراشدي في دراسة تحليلة لنتاج عدد الرحالين الذين زاروا عمان خلال القرن العشرين نقلا عن مذكرات توماس ” رشوا علينا ماء الورد، وبينما كان هذا يجري وجّه إلينا (الإمام )عدة أسئلة عن هدفنا من مغادرة بلادنا للعيش، والعمل في مسقط، وعندما أجبناه بأن يسوع، ونحن من أتباعه، أمر اتباعه بالذهاب إلى كلّ الأمم لتعليم مبادئه، وعلاج المرضى، ومشاطرة كل الناس الأنباء الطيبة الواردة من الإنجيل.

 

قال لنا الإمام : هل تؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى واحد ؟

قلنا : أجل .

قال : نحن نعتقد أنكم على خطأ في بعض معتقداتكم، ولكننا نحترمكم لأنكم تخشون الله، ومن ثم، فإن في استطاعتكم أن تمضوا في أرضنا بسلام، لعل الله يهبكم الهداية والحكمة لشفاء المرضى، وسأرسل دليلا آخر لكي يصحبكم إلى المرضى “.

وأنا أقرأ هذه الواقعة أتخيّل لو حدث هذا في مكان غير عمان ،فكيف ستكون النتيجة؟

 

لقد نظر الإمام إلى الموضوع من عدّة زوايا ، ورأى في الايمان بالله قاسما مشتركا بين الديانتين، فلم يكفّره، ولم يهدر دمه ، بل تجاوز ذلك إلى الهدف الثاني من الزيارة وهو “علاج المرضى” فأمسك به ،وطلب من (توماس ) أن يمضي بسلام على أمل أن يهبه الله الهداية للإسلام وشفاء المرضى، علما بأن المصادر التاريخية تؤكد أن هذا الدكتور،قام بإجراء عملية جراحية للإمام في عينه اليمنى، وقد تكللت بالنجاح،

 

وفي مذكّراته التي وضعها عام 1835 م يتطرّق الرحّالة البريطاني ويستلد إلى حريّة الأديان ،وتعدد الثقافات في مسقط، كما ورد في كتاب “عمان في عيون الرحالة البريطانيين” للدكتور هلال الحجري، فيقول “تعيش مجموعات بشرية مختلفة من عرب، وفرس، وهنود وأكراد، وافغان، وبلوش، كل يمارس شعائره الدينية في جو تسوده الحرية، والاحترام، فالمسلمون واليهود والبانيان كلهم كانت لهم مساجدهم ومعابدهم، حتى أنه في عام 1828م استقبل السيد سعيد بن سلطان بكل مودة، وتسامح عددا من اليهود الذين هربوا من استبداد داود باشا في العراق”.

 

وعن البانيان ،وهم آسيويّون يعبدون البقر، يدوّن ويستلد “إن عددهم في مسقط كان أكثر من أيّ بلد عربي آخر في الجزيرة العربية، وكان لهم ” معبد صغير، وسمح لهم بأن يتملكوا عددا محددا من الأبقار، وأن يحرقوا موتاهم، وأن يتبعوا بحرية مبادئ دينهم، وشعائره دون أن يضطروا إلى ارتداء نوع من اللباس يميزهم من البقية، كما كان الحال في مدن اليمن”.

 

وبالنسبة لليهود المهاجرين إلى مسقط فقد قال ويستلد: “إذ لم يحملوا على أن يسمو أنفسهم بإشارة، أو علامة، كما كانت الحال في مصر وسوريا، أو أن يسكنوا الأجزاء القصية من المدينة، والمفصولة عنها، كما كان الحال في مدن اليمن وبلداتها، كما لم يكن عليهم أن يمروا بيسار المسلمين إذا ما لقوهم في الشوارع، كما في بلاد فارس، وكان العديد منهم يشتغلون بصياغة الحلي من الفضة، وآخرون يعملون صيارفة، وقلة قليلة منهم كانت تتخذ من بيع المشروبات الكحولية مهنة لها”.

 

لذا لم أستغرب وجود كنيسة ،ومعبد للهندوس إلى جانب المساجد ،ففي النهاية كلّ الأديان تهدف إلى جعل الإنسان يسير على صراط مستقيم أيّا كانت القبلة التي يوجّه لها العبد وجهه،من هذا الأفق انطلقنا لنزور المعبد ،كما فعل (اميتاب) الذي لو وقع بأيدي هؤلاء المتطرّفين لكان صيدا ثمينا للحراب .

 

· نشر بالتنسيق مع ” رواق” الذي يصدر عن مركز الدراسات والبحوث بمؤسسة”عمان” للصحافة

 

شارك هذا الخبر