تحليل ورأيكلمات إلى الإنسان العربي أينما كان
في مقال نشر عام 2015، انتقد موسى الفرعي الصراعات العربية وآثارها في اليمن، ودعا إلى المحبة والسلام، مستشهدا برد عمان الإنساني وتحرير رهائن سعوديين في صنعاء.
لـ: موسى الفرعي
يقول عز وجل: قُلْ كُلّ يَعْمَل عَلَى شَاكِلَته فَرَبّكُمْ أَعْلَم بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا. صدق الله العظيم
أيها الناس سيجزي الله كل عامل بعمله، فإن الله لا تخفى عليه خافية وهو عالم الغيب والشهادة، فما بال أقوام أخذهم الغرور وأنستهم وحشيتهم أن قلوبا نابضة خلف هذه الصدور وعقولا ينبغي أن تتفكر بوقوفها بين يدي الجبار مسؤولة عن كل هذه الأرواح البريئة التي تزهق.
حين اتفق العرب في تلك الأزمنة ووحدهم الإسلام فيما بعد بدأ إشعاعهم الحضاري يمتلك الدنيا من أولها حتى آخرها وقد اعتادوا أن يتحالف بعضهم مع بعض ضد العالم الغربي الذي مارس طغيانه وجبروته واستعمل العرب في حروبه وخدمهم على نفسه ثم لم يشركهم في انتصاراته ومجده، وأما الآن فمقدور العربي أن يمضي حتى آخر الموت بمخططات عربية رسمت له ويموت بأيد عربية وتنبش قبره أيد عربية، فأي قضاء ابتكره الإنسان العربي لأخيه الإنسان.
وأي انعكاس لحركة التاريخ، وأي تناقض يسكن هذا الوطن العربي حين يقف مع الغرب حدَّ التبجيل الكامل ويتحالف معه بطريقة أو بأخرى من أجل القضاء على ابن عمه أو أخيه، لا شك أن الإنسانية واحدة وأن الغرب إخوتنا في الإنسانية ولكن إن كان لا بد من تمييز وانحياز فعلينا أن ندرك حقائقنا وامتدادنا العرقي والديني ومصالح الإنسان هنا أولا، اصدقكم القول أن هذا التخبط الذي يعيشه عالمنا العربي هو الأكثر مرضية على مر التاريخ، فقد كان الإنسان العربي يعيش بمروءة وقيم عالية حتى وإن لم يأمر بها دينٌ فمكارم الأخلاق هي من تحفزه للعيش بمثالية عالية، وأما اليوم فلا دين يُطهّر هذه القلوب ويرجعها لإنسانيتها، ولا إنسانية أو مروءة تبقت في دواخل الكثيرين، فأي سقوط مدو هذا الذي سقطه الإنسان الجديد في هذا العالم العربي الجديد.
نعم إن كل ما نشهده الآن هو ثمرة ما سمِّي بـ ” الربيع العربي ” ، إن كل هذا الطفح الكبير للاأخلاقيات وهذا النزوع السريع للعدائية والدموية نتاج طبيعي لتلك الكذبة التي قادت إلى ما عليه العالم العربي والإنسان اليوم، وها هي اليمن صفحة بيضاء يوقّع عليها الإنسان أوراق وحشيته ويترك عليها الآخر مدى إنسانيته وانحيازه للسلام وسيعلم العالم كله أي الفريقين قادر على الحياة أكثر، وأما اليمن ستبقى هي المنتصر الوحيد فكل الأبرياء الذين قتلوا على أرضها من شيوخ ونساء وأطفال لن يقبلوا أي صلح مع مسلسل الموت، ستبقى المنتصر الوحيد حتى وإن صُنِّفت ضمن قائمة المهزومين، ذلك لأن عمرها أطول من عمر أنهار الدم التي تجري بأرضها سواء من اليمنيين أو غيرهم، إنه التاريخ أيها الأحبة وكل فعل يقوم به الإنسان إما أن يكون عمرا جديدا في ذاكرة الأجيال وإما أن يكون مادة سامة كفيلة بإعاقة دائمة تُسكنه اللحظات التي تمرُّ به فلا يتجاوز آنيَّته، فما بال هذه النيران العربية لا تصيب إلا العرب وما بال هذه الريح والأعاصير لا تقتلع إلا الخيام الممتدة في صحراء العرب.
ورغم كل ذلك هناك من يرفع البنادق التي لا تصطاد إلا العرب، ولا يرضى بالمحبة والسلام في أرض السلام والمحبة عُمان بل ويحاول أن يعكر عذوبة الماء بكدره وطين سلوكياتٍ هي أقل بكثير من أن تطال كعب حذاء مجد عُمان، وأن سلسلة الإساءات التي توجه إلى عُمان ليست أكثر من جهل تام بالتاريخ وعماء تام عن المشهد السياسي، فكلما زادت إساءتهم زادت عُمان عطاء ومحبة، لأنها أرض تدرك حقيقتها وأصلها الراسخ بالأرض وفروع محبتها التي تمتد حتى أقصى الأرض.
قد شهد الجميع مؤخرا قصف منزل السفير العماني في العاصمة اليمنية صنعاء، وصحيح أن قيادة التحالف ضد اليمن نفت استهداف منزل السفير وصحيح أنه حين يدرأ المخطئ الخطأ عن نفسه ليس بالضرورة إلغاء أو انعدام الخطأ نفسه، وهذا ليس محور حديثنا إنما يقودني إلى أن عُمان بعد هذا الفعل المشين سواء كان صاحبه التحالف أو غيره قد ردت على استهداف منزل السفير العماني بتحرير رهائن سعوديين ليلة البارحة كانوا في قبضة الحوثيين بصنعاء، هذه هي عُمان وهذا قائدها الكبير الكبير وهؤلاء رجالاتها الذين تعلموا الدرس الإنساني بحكمة بالغة، وحسن تصرف، وبعد رؤية، ووعي تام بقيمة الإنسان وحقه في الحياة.
إن أكثر ما يثير السخرية والاستغراب هو ظهور بعض المهرجين في مواقع التواصل الاجتماعي يشتمون ويسبون عمان، وعمان لا تردُّ إلا بالسلام، ينهارون أخلاقيا وإنسانيا في حضرتها وهي ترتفع أكثر وأكثر، إنما أولئك مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا حملاً حسياً ولا يدري ما عليه ولا يفقه قيمتها، وكذلك هذه المجموعة من الجهلة ذلك شأنهم في تعاطيهم مع المشهد السياسي، يبصرون شيئا ولم يتفهموه، ولا عملوا بمقتضاه، ولا أدركوا أبعاد الأمر وتفاصيله، إذن فهم أسوأ حالاً من الحمار، فالحمار لا فهم له، وذلك عذره وأما هؤلاء لهم عقول وقلوب يعقلون بها أو ذلك ما يفترض.
آخرة الأمر عمان باقية سيدة الأرض وميلاد النور، وهنا فقط ترى السلام والمحبة يكبران ويلعبان كالأطفال مع أبنائنا، وحسبي من العمانيين ممن يتعاطى مع مواقع التواصل الاجتماعي بخصوص هذه الأمر تجاهل هؤلاء الجهلة والتزام الصمت صمتَ الأقوياء القادرين الذي هو دليل قوتهم في الوقت الذي يكون فيه صراخ الآخرين دليل تخبطهم وعدم اتزانهم.