جيل الإنترنت .. كيف نخاطبه ؟

ناقش المقال في 2015 نمو الوعي بوسائل التواصل لدى العمانيين، ورأى أن جيل الإنترنت يستطيع التحقق من المعلومات، داعيًا الأفراد والمؤسسات إلى الواقعية وتجنب التضخيم.

جيل الإنترنت  ..  كيف نخاطبه  ؟
Atheer - أثير

د. سيف الرمضاني

بمتابعتي لمواقع التواصل الاجتماعي المختلفة لاحظت خلال الفترة الماضية – فيما يتعلق بتغريدات العمانيين ومنشوراتهم حول الشأن المحلي – تشكل وعي مجتمعي جديد ونموه رويداً رويداً بأهمية مثل هذه الوسائل الحديثة في تقريب الأفكار وتأليف القلوب وتطهير النفوس من الأحقاد والأضغان ؛ فبدأت تختفي مثلاً عبارات التخوين لكل من ينتقد بعض سياسات الحكومة ، وكذلك الأمر بالنسبة لعبارات التجهيل لكل من يدافع عن تلك السياسات.

 

وفي المقابل هناك وعي ملاحظ لدى بعض المسؤولين- وهم قلة – بأهمية وسائل التواصل الاجتماعي في تبادل الآراء واستقبال المقترحات وتدعيم السياسات وإبداء الملاحظات حولها وحول الأداء الحكومي بشكل عام ، وأنه لا بد من التعاطي معها بحذر بالغ دون تفريط أو إفراط .

 

فكما أن الصلاة هي صلة الإنسان بربه التي أمره فيها بالتوسط بين المجاهرة والمخافتة ؛ فإن وسائل التواصل الاجتماعي في عالم اليوم هي همزة الوصل السائدة لدى الناس فيما بينهم إذا جازت لي المقارنة ؛ ومن هنا فإن عليهم كذلك عدم المجاهرة أو المكابرة في تعبيراتهم إلى ما لا نهاية ، وعدم المخافتة فيها إلى ما لا بداية ” وابتغ بين ذلك سبيلا”.

 

المجتمع العُماني غالبيته من الشباب والأطفال ، ونسبة عدد الشباب منهم (15-24 عاما ) من مجموع عدد السكان يفوق الـ 22 % ، والكثير منهم يتعاطى مع وسائل التواصل الاجتماعي هذه بشكل أو بآخر، خصوصا إذا علمنا بوجود أكثر من ستة ملايين ونصف خط هاتف نقال في السلطنة حاليا ، وأكثر من ثلاثة ملايين مشترك نشط بالإنترنت ذي النطاق العريض بالهاتف المتنقل.

 

ومن هنا لعله من الأهمية بمكان مراعاة هذا الشيء عند التعاطي مع هذه الوسائل من قبل المؤسسات والأفراد ؛ فلا نخلع على ماضينا لون السواد ، ولا نصبغ مستقبلنا باللون الوردي ، وعلينا كأفراد كما المؤسسات ألا ندَّعي لأنفسنا بطولات وهمية أو إنجازات قياسية ما أنزل الله بها من سلطان وأن نتذكر قول الشاعر :

ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعـــلم


 

فجيل اليوم غير الأمس وهو بواسطة كبسة زر على الكيبورد أو لمسة إصبع على شاشة هاتفه الموصول بشبكة المعلومات الدولية يستطيع أن يكتشف الحقيقة من الزيف ، والمعلومة الصحيحة من الخاطئة ، ويستطيع الوصول لتلك المعلومة المعروضة عليه من مصادرها الأصلية ومنابعها الحقيقية ؛ لذا لا مجال هنا لطمس الحقائق أيّاً كانت أو تضخيمها أو التلاعب بها من قبل أي كان فردا كان أم مؤسسة .

 

من هنا لابد علينا جميعاً أن ننظر للأمور بواقعية ؛ فلا نتحدث لجيل اليوم عن عمان ما قبل نصف قرن كيف كانت مقارنة بما هي عليه الآن ؛ فتلك فترة لن يعوها ولم يعايشوها ، وإذا أراد البعض منهم دراستها والبحث عنها فمحرك البحث بين يديه دائماً حتى في غرفة نومه ، ولا داعي لوسائل الإعلام التقليدية أن تتصدى لهذه المهمة وتخصص جل وقتها وجهدها لها ، فلن يعيرها أحد من هؤلاء الشباب – حسب ظني – اهتمامه وعنايته ، فأوقاتهم في عصر السرعة هذا لن تسمح لهم بالتسمر أمام شاشة التلفاز لهذا الغرض أو تقليب أوراق صحيفة بحثا عن معلومة، وهي – أي وسائل الإعلام التقليدية – إذا فعلت ذلك فإنما تهدر جهودها في أمور سوف تعمل على تأخيرها عن اللحاق بركب الإعلام الحديث ، وستجد نفسها وحيدة لا يتابعها سوى مذيعوها ومعدوها ومخرجوها لزوم لقمة العيش وواجب المهنة ليس إلا.

 

نعم قد نتحدث عن أحوالنا قبل عشر سنوات من الآن مقارنة بوضعنا الحالي ، وقد نصرح عما يجب أن نكون بعد عشر سنوات من الآن ، وما نأمله بعد عشرين عاماً ، مزاوجين في تفكيرنا بين واقعية الأحوال ومثالية الأهداف التي نطمح لها والتي ستفضي بِنَا حتما إلى سلام داخلي في ذواتنا ودواخلنا سيظهر أثره الإيجابي لاحقاً في أقوالنا وأعمالنا وأحوالنا والعلاقات البينية بيننا ؛ وحينها لن نبكي على اللبن المسكوب كما قال أجدادنا حين أعيتهم الحيلة لتحقيق ما يريدون ؛ بل سنفعل كما قال الشاعر :

إذا لم تستطع شيئاً فدعهُ
وجــــاوزهُ إلى ما تـــستطيعُ


شارك هذا الخبر