ما أكبر اللغة وما أقل الوطن

تناول موسى الفرعي في مقال رأي من عام 2015 العلاقة بين الوطن والإنسان واللغة، ودعا إلى حوار يميز الاختلاف عن الخلاف ويربط التعبير بالعمل من أجل عمان.

ما أكبر اللغة وما أقل الوطن
Atheer - أثير

أثير – موسى الفرعي

إن العالم الافتراضي بقدر ما هو مساحة مثالية للتقريب بين بني البشر، ومساحة للقول والنقد من ذوي الاختصاص أو ممن يملكون معطيات ما يمكن أن يُقال، بقدر ما هو مساحة أيضا لممارسة التخبط وتعرية البعض دون أن يعلم ذلك، وقد كنتُ أقرأ وأتابع بعض ما يُكتب والذي حوَّل البعض إلى صيادي أفكار ميتة في المياه العكرة.

ولا يضير عُمان اهتمام أو عقوق البعض سواء بوعي أو دون وعي، أقول إن كان مهتما إلى هذا الحدِّ لصالح عمان فلماذا لا يتحالف معها لا عليها ولماذا لا يكون جزءا من عملية البناء والانسجام مع المحيط العام كي تتجاوز عمان أية تحديات، دون التشدق بالمفاهيم الكبيرة كالعدالة والحرية، من لا يجد الحرية في رحم أمه لن يجدها في أي مكان آخر، إلا إن كان كافرا بأسباب الحياة، أما قرع الطبول فلا معنى له.

ما أكبر اللغة وما أقل الوطن لدى البعض
إنه عصر الإنسان اللغة المرتبط بالشعارات لا بالأرض، الإنسان الذي يبحث ويفتش عن مجده الشخصي والذي به يُلغي الوطن ومعناه الحقيقي ملتفتا وساعيا إلى مصلحته الشخصية.


ما الوطن .. ما الإنسان .. ما اللغة
إن تداخل المفاهيم لدى البعض ستار على أعينهم في حين، وفي أحيان أخرى اللعب بالمفاهيم والتعاريف يُعدُّ شركا يقع فيه البعض ولكن بفضل الله هم القلة التي لا تملك القدرة على عدوى المحصنة قلوبهم وعقولهم من فيروسات هذا العصر الجديد.


إن الوطن كمفردة معجمية وأحرف لا تتجاوز شفاه الناطق بها شيء لا معنى له سوى أنه مكان يقيم به سواء الإنسان أو أي كائن آخر، وهو ثابت لا يؤثر أما باعتبار الوطن أحد أسمى المفاهيم التي تتراكم وتتمدد باتساع المعارف يكون الوطن من أهم مكونات السلوك الإنساني الذي ينبغي أن يكون لصالح الإنسان والمكان والذي يتجلى في الاحساس به والعمل من أجله. أما الإنسان هذا الكائن المركّب والذي يتفاعل مع كل عناصر الحياة من أجل إنتاج القوانين المسيّرة لعملية التطور هو الأكثر مفارقة بين جميع الكائنات، إن هذا الإنسان لا يُفهم إلا من خلال نتاجه الثقافي وعمليات تشكيله باعتباره أداة لا تفهم نسبيا إلا من خلال الأفعال الدالة على وظيفته وأهدافه وسيرورة تطوره.

وأما اللغة المكتسبة فهي ذلك السيف الذي يمكن أن نرفع به ظلما موشكا أو نُوقع به ظلما، وأما اللغة الفطرية هي ذلك الصفاء الفطري الذي تمثله القدرة الطبيعة التي يتزود بها كل مولود كي تكون له نظاما تعبيريا صافيا، فإن أخذت الأولى شكل العدالة وطوق النجاة فما أعظمها من لغة وإن كانت خالية من مكل ما يشي بالثقافة الحديثة والأساليب الفلسفية، وإن دلت على تسلط الإنسان اللغوي ليفتك بها مجمِّلا أفعاله بأدوات تجمّل لغوية فما أسعدنا حينها باللغة التي فُطرنا عليها والتي ستكون في أشد حالات الفقر اللغوي أكثر غنى من المدارس والمعاجم والاتجاهات الفكرية.

كل ما سبق له أناسه الباحثون من ذوي الاختصاص ولا علاقة تربطني به ولكني أستفتح به حتى يتبين لنا أن الوطن واللغة والإنسان شيء أبعد مما يظنه الآخرون.

إن الحوار بين متناقضين يؤدي للتدافع بالرأي لا التنازع من أجل تحقيق المصلحة الشخصية، الاختلاف بين فكرتين لا يعني بالضرورة الخلاف، وحرية التعبير لا معنى لها إن اغتسلت بالفضاضة والأساليب غير المتحضرة في الحوار وأسلوب الطرح.

إن عمان مع كل فرد يُشكل طاقة خلاقة من شأنها أن تساهم في بنائها ولكنها أيضا تكون حجرا في فم المتشدقين الذين يقاتلون من أجل زعزعة أمنها وسلب حق الأمن والسلام من كل إنسان يعيش على أرضها.

وإن كان عدد الضعاف بعدد أصابع اليد فإن الشرفاء الخائفين على بلدهم والمنتمين لصالحها والذين اتخذ الولاء والإيمان قلوبهم سكنا فما أكثرهم وهؤلاء هم من تُعوِّل عليهم عمان، وهم من يغنون معاً لأجمل رحم في الأرض عُمان، ويدافعون ويبوحون بالحب والولاء أولا منها، وبعدها من كل الدنيا.

شارك هذا الخبر