منذر السعيدي
قد يتبادر لذهن البعض عند قراءة العنوان للوهلة الأولى أننا في هذه المقالة في خضم التحدث عن جدول رواتب الخدمة المدنية، وما يتبعه من مسميات ودرجات مالية وقوانين ومظلمات لا تنتهي من قِبل كل من ينتمي إلى هذه التصنيفات والجداول، إلا أننا على النقيض تماما ، لن نتطرق إلى الموضوعات آنفة الذكر ، وإنما نسلط الضوء على المسميات التي أصبحت لا تفارق أبصارنا في معظم وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة لدرجة أن البعض غدا يتشكك ولا يقبل المعلومة أو الفكرة النابعة من طرف لا يسبق اسمه مسمى لامع براق .
وما نلحظه ليس المهم في هذا الموقف ” النقاش الافتراضي على منصات مواقع التواصل الاجتماعي ” ماهية المسمى أو مدى رصانة وحصافة الفكرة المقدمة على طاولة النقاش من صاحب المسمى ، ولكن الأكثر أهمية هو وجود هذا المسمى بغض النظر عن أي اعتبارات أُخرى كرجاحة الرأي والدليل الدامغ والبرهان الداعم للفكرة المطروحة والاتجاه الرافض للتبعية والتقليد غير الواعي وغيرها من الأسس والشروط التي تجعلنا نقبل أو نتبنى فكرة أو اتجاه دون غيره .
إن هذه الفئة التي أصبحت تفيض بها وسائل التواصل الاجتماعي لا تعترف بهكذا شروط واعتبارات وإنما تُعدّها محض قيود لا تسمن ولا تغني من جوع ، فنرى في هذه الوسائل الكاتب والشاعر والملحن والفنان والمهندس والمعلم والطبيب والمدرب وغيرها العديد من المسميات التي تسبق حروف الاسم ولا أعلم لماذا تسبق هذه الألقاب هذه الأسماء ولو إنني أميل إلى أن أصحاب هذه المسميات يظنون أن المسمى الذي يسبق اسمهم هو ما يمنحهم الشرعية للشد والجذب والأخذ والرد في كل شاردة وواردة فتراه موغلا في السياسة ، وزاهدا في الفتاوى الدينية وأحكام المواريث ، وعالما بأصول الفقه وفقه المقاصد ، ومحللا فنيا محنكا لمباريات كرة القدم ، ونابغة في النقد الأدبي ، وبارعا في العزف والغناء ناهيك عن قدرة فائقة عجيبة في التلون والتبخر والذوبان بين الأحداث والثقافات وشرح الحقائق العلمية التي لا تقبل الجدل .
وجميع ما ذكر من مواهب متعددة ومتنوعة التي تدّعي هذه الفئة امتلاكها على هذه المنصات الإلكترونية الاجتماعية لا تتعدى أن تكون فتات من المعلومات المبتورة والتعميمات الجوفاء الفارغة والثقافة السطحية الضحلة،إن صح تسميتها بالثقافة وليس لها أساس ولا متكأ تدلل به على ذلك، ويسقط
صاحبها في وحل الجهل للفكرة والمبدأ مع أول نقاش رصين هادف بعيدا عن التعصبات القبلية والعرقية والانتماءات للتيارية المختلفة .
وفي هذا الموقف لا نروج باستحالة تمكن الفرد من إحسان وحذق مجالات حياتية وعلوم دينية ودنيوية كثيرة تصل لحد التناقض في أحيان عديدة ، لكن يجب منح أهل الاختصاص مساحة كافية وآمنة لإبداء وجهة النظر السديدة الحصيفة القادرة على تبيين الحقائق من مرتكز علمي تجريبي ودرء الشبهات واجتناب مزالق التعميم والتنظير العشوائي .
وإن كنا في هذه المقالة المقتضبة نتحدث عن وسائل التواصل الاجتماعي وما يموج بها من خزعبلات ومهاترات لا ترتقي لتسميتها ونعتها بالنقاش والحوار الهادف فيجب النظر لهذه المسألة بروية وبقدر كافٍ من التعقل والمسؤولية ، وعدم إغفال دور هذه النقاشات الافتراضية على المنصات الإلكترونية وإنعكاسها على كيان الفرد وشخصيته في الحياة والعالم الحقيقي خاصةً أن هذه الوسائل أصبحت تحتل جزءا كبيرا من يوم صاحبها.
فهذه الوسائل تُعدّ بيئة خصبة وآمنة لتبني الأفكار الضالة والمعتقدات الخاطئة ووجهات النظر الشاذة وغير السوية ، فتفاوت المستويات العلمية والفكرية والثقافية بين المرسل والمستقبل ، والكاتب والقارئ أو الناقد له دور واقعي حقيقي لا يمكن إنكاره وبالإمكان تلمسه وملاحظته من خلال الجماهير الغفيرة التي تنجرف كالسيل العرمرم وراء كل ناعق مُسفسف يلتحف ثوب الورع والثقافة، فهذه الجماهير لا تنظر إلى الأفكار المطروحة من موقف محايد مستقل وموضوعي إنما همها الأوحد تأجيج الخلاف وترويج الشائعات واختلاق السيناريوهات لإضفاء لمسة إثارة في كل موقف وطرح لتصبح المجالس وتجمعات الصحب دسمة بهذه الوجبة الفاسدة .




