منذر السعيدي
إنَّ المحارب الذي نتحدَّث عنه اليوم ليس محارباً تقليديًّا يتأبط السلاح في ساحات الوغى؛ لصد أطماع العِدى والخصوم الطامعين، وليس محارباً مرابطًا يحرس شريط حدود الوطن من كلِّ باغٍ أو متسللٍ، لكنه محاربٌ من طرازٍ فريدٍ وجديدٍ في آنٍ واحدٍ، فكما أنَّ الحياة متغيِّرة ومتسارعة، ويكاد أن يكون التغيير هو الصفة الدائمة والسمة الثابتة في هذا العصر، فجندنا عصريٌّ، يواكب التقدُّم والتطور باحترافيةٍ، وفطنةٍ، وحسن تدبيرٍ، قلَّ مثيله في أيامنا هذه.
ومع جلّ هذه الإمكانات والقدرات الهائلة، التي يتمتَّع بها هذا المحارب، إلا أنه غالبًا ما يفضِّل العمل والتطبيق على القول، والتسويف، والتأجيل، ولا يتغنَّى بانتصاراته، ويضخِّم من إنجازاته، وإن كانت ليست بالهيِّنة نوعًا أو كمًّا، وإنما يترك للجمهور هذه المهمة.
ويثبت هذا المحارب يومًا بعد يومٍ أنَّ السعي المضني الدؤوب، والعمل وفق استراتيجيَّةٍ مرسومةٍ بدقَّةٍ يمكن التحرك بمرونةٍ من خلالها هي أنجع وسيلة؛ للوصول إلى الغاية المنشودة والموضوعة مسبقًا.
وإن كان البعض يرى أنَّ الجندي و المحارب الحق هو من يشحذ نصله؛ ليغرسه في صدور غزاة الخارج، الذين يبغون بالوطن وترابه الشر، فإن محاربنا الصامت لا يتوانى لحظةً عن غرس نصله في صدور كل من أراد بهذا الوطن وأبنائه ضرًّا في سلطنتنا الحبيبة من داخل حدودها، وما هذا المحارب غير المولع بفيض الحديث إلا الهيئة العامة لحماية المستهلك، والتي أثبتت منذ تأسيسها في العام 2011م بموجب المرسوم السلطاني أنها خط الدفاع الأول، والزناد المتهيئ لكلِّ من تحدثه نفسه الاستهانة بحقوقٍ أو صحةٍ، أو حياة المواطن العماني والمقيم .
فهذه الهيئة تثبت يومًا بعد يوم أنَّها نصير المظلوم، وحبل نجاته، ممن زاغ فعله، أو حاد سعره عن المقنن والموضوع، ومما يؤكِّد علو منزلة هذه الهيئة وأهميتها ليس فقط حبّ المواطن والمقيم لهذه الهيئة، والتغنِّي بمكتسباتها، وطرقها في تبصيره حقوقه، والسعي بأشاوسها خلف استرجاعها، وإنما ما وجِّه به عاهل البلاد – حفظه الله ورعاه – في عام 2014 بضرورة تأجيل قرار مجلس الوزراء المَعْنِي بحماية المستهلك، والذي كان خيرَ برهانٍ على أنَّ قائد هذا الوطن قد رهن حياته في سبيل أن يحيا العماني بسلامٍ ووئامٍ، بعيدًا عن كلِّ ما ينغِّص عيشه، أو يؤرق جفنه.
وكما أنَّ رماح نقدنا مسنَّنة في مُقل كل جهةٍ أو مؤسسةٍ حكوميةٍ كانت أو خاصة يظهر عليها، أو على أحد إجراءاتها وقراراتها بوادر وعلامات تنبأ بالتقصير، وهي ظاهرة صحية دون أدنى شكٍّ تصبُّ في مصبِّ المصلحة العامة، فالنقد هدفه الإصلاح والتطوير المستمر، وإن اختلفت الطرق والسبل لإيصاله.
وما هذا النقد والنباهة المتقدِّة إلا دليل الوعي المجتمعي، الذي بدأ ينمو بصورةٍ مطردةٍ في مجتمعنا العماني، فإن كنَّا نقول بملء أفواهنا للمسيء: أسأت، فلماذا لا نقول للمحسن: قد أحسنت وأصبت، فالهيئة العامة لحماية المستهلك ورجالاتها تستحقَّ منا عبارات الثناء والتقريض.
وذلك لِمَا تقدِّمه هذه الهيئة من خدماتٍ جليلةٍ، وخصوصًا بعد ما تمَّ رفع الدعم الحكومي على المحروقات، فقد اعتقدت شريحةٌ كبيرةُ من المواطنين أنَّ هذا ما سيسبب ارتفاعا غير معهودٍ بأسعار السلع والمنتجات الغذائية، وذلك لتأثُّر القطاع اللوجستي تأثرًا مباشرًا؛ بفعل ارتفاع سعر البنزين، ولكن هذا لم يحدث، فبفضل الهيئة ورقابتها لم يحدث ارتفاعًا يُذكر.
فكما أنَّ نقدنا يصحِّح المعوج، ويقوِّم المكسور فكذلك مدحنا وإظهار استحساننا لخدماتهم، التي لا تتوقف طوال اليوم والليلة يحفِّز الهيئة، وكل من ينتمي إليها لبذل المزيد من الجهد، وتحسين ما هو موجود بالفعل والعمل على إرضاء الجماهير، التي منحتهم الثقة الكاملة لحراسة ما يلج أمعائها، ويحفظ حقوقها، فبنو البشر فُطِروا وجُبِلوا على حبِّ الثناء، والسعي خلفه؛ لإشباع حاجاتهم النفسية، والإحساس بعظم ما يؤدونه ويقدمونه من خدماتٍ جليلةٍ.




