سانترو : حجرةٌ لآخر الليل

نص أدبي يعود إلى ديسمبر 2012، حين انتقل الكاتب من بغداد إلى الشارقة للمشاركة في مهرجان الشعر العربي، ويتتبع لاحقا أثر اللقاءات والقصائد حتى مسقط عام 2016، ثم بغداد عام 2017.

سانترو : حجرةٌ لآخر الليل
سانترو : حجرةٌ لآخر الليل
حسن مجاد
( سانترو
سانترو
بيتُ الشّاعر  كلمةْ
والكِلْمةُ قلبُ المكلوم
فبأيِّ قصائد تمنحُ هذا العالم صُور – الشرية ، ثم تغادر كالمهزوم)
-1-
ديسمبر 2012
كان الشّاعر الخصيبيّ القادم من واحات النخيل ، يجلسُ بعد رحلة التعب في ( كَيتار كوفي شوب ) بالمنصور ، أما أنا الذّي جئتُ من قرى القمح ، أهبطُ إلى بغداد مع فجرها ، وأظلُّ أذرع شارعاً وحيداً ؛ كي لا أتيه وسط أزقة العدم أو تتخاطفني الوجوه فتتعقب قتلي !
لا أعرفُ ، من أين تأتيني تلك الكوابيس وأنا أتجول في هذه العاصمة العباسيّة ؛ مستذكراً قصة المجنون همنغواي (القتلة) ؛ كأنَّ رجلاً يجلسُ في غرفته، ويجعل بابَ شقته موارباً بانتظار القاتل الذّي لا يجيء !
اتصّل بصديقي ؛ كي يخبرني بطريقٍ إلى المقهى ، حتّى أصل إليه ، ترشدني آلة كيتار منسدلة على واجهة المقهى العلوية ، وأضحكُ على هذا القرويّ القابع تحت معطفي؛ إذ ساعة كاملة وهو يطوف بالمكان و لا يرى الكيتار المعلق، ذاك الذّي يقعُ أعلى البناية .
أعبرُ الشّارع العام مهرولاً ، ومهزوماً من شرطي المرور ومن باصات تحملُ الأشباح الى وظائفهم، ثم أخطو سلالم ضيقة ، وأدلفُ الفناء المضيء بالكريستال، أطوي بيدي الستار الذّي على بابها ، وأحدقُّ في الكيتارات المثبتة مثل  موسيقى حجرية على حائط المقهى أو النازلات من سقفها الثانويّ ، إلى أن بدا وجهه الحنطيّ، وشعره الرماديّ مثل غمامة بصرية مكحلة بالزعفران، تصافحنا كمثل طيور البراري، ثم تبادلنا تحايا اللقاءات على عجل ، وطلبنا من النادل شاياً مطبوخاً ، يقول له وهو ينظفُ كاميرته بيديه ، شاياً مطبوخاً ، ثم نجري بالأحاديث :
هل نمتَ جيدا؟ يسألني الخصيبيّ، ويضيفُ قائلاً : كان نهاراً موحشاً والطريق من البصرة أكثر تعباً !
– اه ، ولكني حين تحاصرني الأشياء لا أنام أبداً ، أبقى مفتوح العينين، أكون اليقظان الهاجع ، أقاوم التعب بالجري حول ممرات البيت…
– في الليل تفعل هذا ؟ يقولها وهو يبتسمُ ، مسنداً ظهره على كتف الكنبة حتّى يبدو قمشتها المارونية تضيء جاكيته النيليّ الفاقع .
– نعم يحدث هذا في الليل …
أراه وقد نحّا كاميرته جانباً ، يأخذ كوب الشّاي ، ويحملقُ بالهواء مثّل بحّار بصريّ .
-لا أعتقدُ أنَّ الجو باردٌ هناك ، نحن في أوائل ديسمبر ، والشّارقة صيف ساخن وشتاء حار !
– لا أعرف ، بصراحة ، أوّل زيارة لي لها ، وبكلِّ الأحوال ، وأنت تعرفُ ، فإنَّ المسافر يحملُ معه كل شيء ، حتّى كيس دخان التبغ.
تمضي بنا الأحاديث من (تاريخ الأسى) إلى ( قبل خراب البصرة ) من مآسي القصيدة إلى نوادر التاريخ ، بانتظار مجيء الشّاعر البغداديّ أحمد عبد الحسين.
أفكّر في رأسي، وأنا أحدّقُ بوجهيهما ، كلاهما بشعرٍ رماديّ ، تعلوهما لطخة سوريالية من جحيم الجنة !
-2-
نصلُ المطار َ ، مطار بغداد ، محاطين بالكلاب البوليسية ، يفتشون عن الأرانب التّي في ( ملوخية العبيط ) ، نبتعدُ قليلاً عن العواء المرّ ، وننشغل بالأحاديث التي تبعدنا عن الشّارع الاسفلتي سينتمراً واحداً.
شركة فلاي دبي تنقلنا الآن من مطار بغداد الى دبي ، تحملنا ليلاً.
تقول المضيفة : اربطوا الأحزمةَ ، ولا أعرفُ أيضاً ، لم ،كلما ركبتُ طائرة أتذكرُ دبابةً ، حين يقول العريفُ : اربط حزامك ، وتقول الحكمة : ( اربط حزامك للموت )  ،أو أقرأُ ،ببلاهةٍ، شريطاً أخبارياً عن مقتل البغداديين بالحزام الناسف !
كان ذلك أواخر عام 2012 ، مشاركين في أعمال مهرجان الشّعر العربيّ في الخليج، كانت العاصفة قد أدبرت ، وخلّفت وراءها أشجاراً بلا جذور .
نصلُ ( الشارجة ) في وسط الليل ، ونرى وجوه الأصدقاء ، الشّاعر قاسم سعودي ، القاص محسن سليمان ، القاص إسلام أبو شكير ، وهم يستقبلون الفرح .
أهبطُ إلى الأرض، أتلمس حشائش حديقة المطار بأقدامي  ، ويجيء اتصال أستاذي الدكتور صالح هويدي ونحن في الباص …
– أهلاً حبيبي حسن ، حمداً لله على سلامتكم، سأكون في انتظارك  في فندق ( سانترو )
– أهلاً أستاذي، الان في السّيارة ومعنا الأخوة
– كل الهلا
– الى اللقاء
ياهٍ ، أراه بعد تواصل السنوات وجهاً لوجه ، كنتُ أقرأُ له في ( صحيفة  الأديب البغدادية ) وهو في الشّارقة ، وقديماً كنتُ أقرأ له كتابه في ( نجيب محفوظ ) وكتابه الآخر حول مشكلات ( الترميز في القصة العراقيّة ) .
أشهقُ حين أرى الأناقة كاملةً ، يجللها مهابة الحضور  وسط بهو فندقٍ مضاء بالقناديل الزيتية .
أعطاني نسخةً من كتابه (الوعي الشقيّ : قراءة في البنية العميقة لشعر سامي مهدي ) ، آخذه مصحوباً بالدّهشة ، أدخلُ حجرتي ، أغيّر الهواء بأن أفتحَ شباكها المطل على الجامعة الأميركية من بعيد ، ثم أضعُ الكتابَ على طاولة .
أعودُ إلى حجرة آخر الليل في هوتيل سانترو، ألقي بجثتي على سرير بشراشف بيضاء ووسادة هوائية، بعد أن قضيتُ ساعات من الأحاديث مع الأصدقاء الجدد ، وأفتح الكتاب حتّى تعود إليّ قصيدة من ( الزّوال ) :
صاعدٌ أنا
أم نازلٌ لستُ أدري
فما بين حدين من ظلمةٍ وفراغ
يعقلني مصعدٌ لا قرار له
بينما يقفُ الآخرون
هنا وهناك
على ريبةٍ في انتظاري )
أقرأُ القصيدة بكل ريبتها الدونخوتية ، وشكوكيتها الفلوبيرية إن جاز لي الوصف سردياً ؛ لأنَّ الإبهام الشعريّ فيها إبهام قصصيّ ، وأنّ ما محي منها قدر ما هو ظاهر فيها ، ولا أعرفُ ، فقد تتباين الأمزجة حدّ أن تصل الى العنف ، ولا أريد أن أفكّر نقديّاً وأنا منغمسٌ بالقراءة ، ولكن ( مصعد سيتي سانترو ) كلما أدخله يشعرني بهذا الفراغ الموحش ، ولعلّ الممرات التي تضاء بمصابيح خافتة ما أن تمس أقدامك لها وتنطفيء حين تعبرها سبب لذلك، ولكنني الى الآن أذكرُ كيف كان المصعد والقصيدة وأنا  نتدحرج ببالون من هواء فارغ .
-3-
في اليوم الثّاني ، كان الشّعراء قد انتظموا وتجمعوا حول بعضهم ، كانت (الجزائر) ضيف شرفٍ في تلك الدورة ، أذكر الشيخ الشّاعر مسعود حديبي ، والشّاعر عزوز بن عقيل ، والدكتور طارق ثابت، وأذكرُ أيضاً آخرين اغترفتُ من نهرهم ماء العطش .
ولكن ، ثمة رجلٌ يقفُ الآن وبوابة الفندق تنفتح وتنغلقُ، يبدو الولد الأسمرُ شاهقاً ، وهو يدخلُ ضاحكاً معه أصدقاؤه ، تعبثُ أصابعه بالموبايل ، ثم يتخذ مكاناً مع الآخرين ، بدا طويلاً مثل صارية ، وتبدو ذراعه واضحة وهو يجلسُ على ( قنفة زيتون ) ، معتمراً ( الكمة ) ومرتيداً  واحدة من (كنادير) بيضاء ، نتبادل بعض ابتسامة هادئة ، ونلقي بعض المراحب .
– هلا عيني
– اهلا وسهلاً
– من وين
– من العراق
– والله !
– لساتني جاي من مسقط
يلتفتُ الى الذي جنبه ويتحدثُ عن شاعرٍ عراقيّ بمحبة وزهو
– أتعرفه
– طبعاً ، قرأتُ له
– تشرفنا
– كل الشرف أخي العزيز .
أقومُ أدخنُ خارج الفندق ، وأرى الشيخ المعتمر طاقية حمراء ، كآخر التروتسكيين العزل ، القاص العراقيّ جمعة اللامي وهو يتمشى في حديقة الفندق.
أشعل سيجارةً واحدة ، وأقترب منه منادياً له :
– من قتل حكمت الشامي يا عمّ !
يلتفتُ ثم ينقضي النهار !
…..
-4-
في اليوم الثاني ليلاً ، وعلى باحة فندق سانترو يكون الشّعراء قد انتظموا في قصائد ، والمكان الليلي على حافة مسبح الذّي يتهادى بمائه الأزرق، وبالحجر المصفوف حوله بهدوء.
كنتُ ، والحقُّ يقالُ ، أستمعُ إليهم بفرح القصائد ، ولكنه كان هادئاً مثل القصيدة ، عميقاً كفكرتها ، تمتزجُ قصيدته بلكنة عمانية من بحة صوته :
(أنا ذلك الولد المستجير بقلبه
خريطة منفى
وساحة معركة أبدا
لم أكن غير أضمومة من عناوين بيضاء
تسبيحة من بريد المدى
أمينٌ على حصتي في الغناء
وممتلئ بالندى )
يا ربُّ ، ما ذا يفعل هذا الولد ؟
ينتهي الحفلُ ليلاً ، ونتناولُ فنجان القهوة جانباً ، وأحدّق في وقفته ، وهو يزن القصيدة القصيدة ، كنتُ بصحبة الدكتور هويدي والفنان ابو العباس والشّاعر جميل مفرح والدكتور اليمانيّ إبراهيم أبو طالب ، نعلّق على القصائد بانطباع ممزوج بالبهجة .
أذهبُ الى الداخل ، أريد أن أشرب ماءً، أجده أمامي فنتعانق كالقصائد .
في يوم آخر أخرج إلى مكتبةٍ تدلني على منشورات كلمة ، اختطفُ رواية هيرتا موللر : ( ما الانسان سوى دراج كبير في هذه الدنيا ). أقضي ليالي الشّارقة مع المثل الرومانيّ الشعبيّ ، مفكراً بالعجز والاستسلام لكلّ ما هو هشّ في هذه الدنيا !
-4-
ديسمبر 2016
تدور الساعات السائلة مثل وجه بيكاسو، وتمرُّ السنوات على قطار يصعدُ إلى حافات المستحيل ، أجلسُ في غرفة صديقي الدكتور سالم العريميّ ،ولكن هذه المرة في مسقط ، يحدثني عن التجربة النقدية والشّعرية وأسألُه وأنا أنصتُ لصوته وصوت ( غلاّية الماء ) عن صور …
يقومُ  ليحمل فنجان القهوة ، ويبعثرُ كلماته :
– أنا منها، من صور ، مسافة ساعتين بالقريب
– كم تبعدُ ؟
– ليس كثيراً
– والشّرية ؟
يجلسُ قُدّامي مبتسماً
– الشرية !
– اي والله الشرية ؟
– اسال عبد الله العريمي عنها .
أعودُ الى غرفتي ليلاً في فندق الأمواج بالخوير ، وأجدُ طرداً ، يُكتبُ عليه  : (إلى الغرفة 711)  . أفتحه ، وإذ بديوان الشّاعر المرحوم ( ناصر بن بلال ) (حورية البحر ) !
إلى هذه اللحظة الخاطفة لا أعرفُ :
– كيف أصل الشرية ؟
– من وضع ديوان حورية البحر في غرفتي
– من قادني ببهو الخطى إلى لجة  العاصفة ؟
-5-
فبراير 2017
أنا وحيدٌ الآن في كَيتار كوفي شوب ، السّاعة الآن 11 قبل الظهر ، شربتُ فنجان قهوة ، أقرأُ عدداً من صحيفة الصباح وبين النهرين ، مستمتعاً بأناقة المطبوع ، معجباً بتصميم الصديق الدكتور لبيد المطلبيّ ،ألقيتها على الطاولة ، نزلتُ الدرج ، أعبُّ الهواء، تمشيتُ قليلاً، أدسُّ وجهي بين الجموع وأنا أظفرُ خطواتي بحذرٍ ، لا أحسُّ بشيء ، أنا اليقظان الهاجعُ أفكّر بقاتلي مثل أبطال همنغواي ، وأسخر من الضحية .

شارك هذا الخبر