الدكتور سعيد بن محمد الصقري- رئيس الجمعية الاقتصادية العمانية
أصبح مصطلح العقد الاجتماعي يتردد كثيرا بين الباحثين والمهتمين بتجربة النمو في دول مجلس التعاون الخليجي بعد الأحداث التي شهدتها بعض الدول العربية في عام 2011 فيما يعرف بالربيع العربي[1]. واكتسب موضوع العقد الاجتماعي بعد انخفاض أسعار النفط منذ منتصف عام 2014 وما تلاه من خفض للإنفاق العام ورفع الدعم والضرائب ورسوم الخدمات الحكومية اهتماما أكبر. على سبيل المثال، خصص المركز الفكري المعروف تشاتهام هاوس حلقة عمل كاملة في لندن في يناير 2016 بعنوان “العقد الاجتماعي في دول الخليج” بهدف تقييم تطور العقد الاجتماعي في دول مجلس التعاون الخليجي من خلال عدة محاور أساسية منها: العقود الاجتماعية والمساومات بين الحاكم والمحكوم، والمساومة الاقتصادية، والمواثيق السياسية والدساتير والبرلمانات[2].
ويعرف الدارسون العقد الاجتماعي بأنه اتفاق بين الأفراد لتأسيس مجتمع منظم بحقوق وواجبات تمكن أفراده من تأمين الحماية المتبادلة والرعاية الاجتماعية وتنظيم العلاقات بين أعضائه[3].
وإذا كان العقد الاجتماعي الاقتصادي في دول الخليج يعني تقبل المواطنين سلطة الدولة، مقابل قيام الدولة بتوفير الأمن وتوزيع عائدات النفط عن طريق توفير الوظائف والتعليم والصحة، وعدم فرض الضرائب، وعن طريق توزيع الهبات المالية أحيان أخرى دون أن يكون للمواطنين الحق في المشاركة السياسية أو في اتخاذ القرار[4]، يبحث هذا المقال موضوع العقد الاجتماعي الاقتصادي وما هي الحقوق والواجبات على كل من الحكومة والمواطن في الوقت الذي تعمل فيه الحكومات على خفض نفقاتها وزيادة إيراداتها غير النفطية بالإجابة عن سؤالين:
1. هل تستطيع حكومات دول الخليج الاستمرار في توفير الوظائف والمميزات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى بنفس الطريقة التي ظلت تقدمها لحوالي خمسة عقود مع انخفاض الإيرادات النفطية بما يعادل 55% مما كانت عليه في النصف الأول من 2014؟
2. وما هي الحقوق والواجبات على كل من الحكومة والمواطن في وقت الانكماش الاقتصادي؟
وللإجابة عن التساؤل الأول، يرى ستيفن هيرتوج أستاذ كلية لندن للاقتصاد بأن السياسات التقشفية التي قامت بها حكومات دول الخليج ليست كافية للحفاظ على النموذج الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي على المدى الطويل. وأوضح ستيفن هيرتوج في محاضرة ألقاها في الجمعية الاقتصادية الكويتية في مارس 2016 بأنه على الرغم من تمتع معظم دول المجلس باحتياطيات مالية تمكّنها من الاستمرار في الإنفاق وتغطية العجز الحكومي لفترة طويلة، بند النفقات الجارية وبخاصة الرواتب والأجور سيثقل كاهل هيكل الإنفاق العام ولا يمكن استدامته على المدى البعيد[5].
وبالنظر إلى جانب من جوانب نموذج الاقتصاد العماني، والتي أشار إليها أستاذ الاقتصاد بكلية لندن للاقتصاد، وهو المالية العامة في السلطنة لا بد من التساؤل كيف يمكن استدامة الإنفاق العام وتحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات؟
بيانات المالية العامة توضح بأنه في الوقت الذي زاد فيه الإنفاق الحكومي انخفضت الإيرادات السنوية، فزاد متوسط الإنفاق السنوي بحوالي 8% في السنوات 2011 إلى 2017 بينما انخفضت الإيرادات السنوية بحوالي 6% في الفترة نفسها. وبلغ عجز الموازنة في 2015 حوالي 5.9 مليار ريال عماني، أي حوالي 22% من الناتج المحلي الإجمالي ومن المتوقع أن ينكمش العجز في 2017 بسبب تحسن أسعار النفط وأن يكون في حدود 2.5 مليار ريال عماني، أي حوالي 9% من الناتج المحلي الإجمالي. وإذا افترضنا بأنه يمكن تثبيت الإيرادات والنفقات على موازنة 2017 لبقية سنوات الخطة، سيزيد حجم العجز التراكمي عن 20 مليار عماني، أي حوالي 86% من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2016.

ملاحظات: الأرقام فعلية عدا 2017 فهي تقديرية وكما جاءت في مرسوم الموازنة
المصدر: كتاب الحساب الختامي للدولة لوزارة المالية، عدة إصدارات
المصدر: كتاب الحساب الختامي للدولة لوزارة المالية، عدة إصدارات
إن تفاقم حجم العجز العام سيزيد من أعباء المالية العامة وسترتفع تكلفة خدمة الدين العام وستكون له نتائج سلبية على الاستثمار وبالتالي على الأداء الكلي للاقتصاد ولا يمكن استدامته على المدى البعيد دون تغير هيكل الإنفاق العام وتوسيع قاعدة الإيرادات غير النفطية.
(وللحديث بقية)
[1] في 2011، شهدت كل من مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية والسلطنة مطالبات شعبية لتوفير الوظائف وتحسين مستوى المعيشة. كما شهدت دول خليجية أخرى مطالبات سياسية ومطالبات في صنع القرار.
[2] https://www.chathamhouse.org/sites/files/chathamhouse/events/110416-GCC-Social-Contract-Workshop-Summary.pdf
[3] التعريف مقتبس بتصرف من: http://www.dictionary.com/browse/social-contract
[4] المرجع : J.E. Peterson، The GCC states: Participation, opposition, and the fraying of the social contract، Kuwait Programme on Development, Governance and Globalisation in the Gulf States، 2012
[5] المرجع: http://www.kuna.net.kw/mobile/ArticleDetails.aspx?id=2491557&language=en





