سعيد الصقري يكتب: تساؤلات عن سوق العمل العُماني وأسباب التشوهات فيه (1)

سعيد الصقري يكتب: تساؤلات عن سوق العمل العُماني وأسباب التشوهات فيه (1)
د.سعيد الصقري يكتب: العقد الاجتماعي والحقوق والواجبات (2)

الدكتور سعيد بن محمد الصقري- رئيس الجمعية الاقتصادية العمانية

يعتمد اقتصاد السلطنة، كبقية الدول الخليجية المصدرة للنفط، على العمالة الوافدة بشكل كبير في إنتاج السلع والخدمات وخاصة في القطاع الخاص، فزادت نسبة الوافدين في السلطنة بشكل ملحوظ منذ عام 2007م (الجدول 1). والأرقام تشير الى زيادة نسبة الوافدين من 30% في عام 2007م إلى 46% من جملة السكان في عام 2016م. وعلى أثر تلك الزيادة، انخفضت نسبة العُمانيين من جملة العاملين من 28% في عام 2007م إلى 19% في عام 2016م.

وتتركز العمالة الوافدة سواء كانت ماهرة أو شبه ماهرة في القطاع الخاص بينما ترتفع نسبة المواطنين في القطاع العام (جدول 2). وتوضح الأرقام بأن القطاع الخاص يعتمد على العمال الوافدين بشكل أساسي بينما ترتفع نسبة العمانيين في القطاع العام.  في عام 2016م، على سبيل المثال، بلغت نسبة العمال الوافدين في القطاع الخاص  88% والعمانيين 12%، مقابل ذلك بلغت نسبة المواطنين 88% في القطاع العام مقارنة بنسبة 12% من الوافدين.

وهذا التباين في سوق العمل العماني يثير عدة أسئلة حول إشكاليات تخطيط التنمية البشرية ومحاولات إيجاد الحلول. فعلى الرغم من محافظة الاقتصاد على نمو حقيقي بلغ 4% سنويا في 1992 – 2013م، وارتفاع متوسط دخل الفرد بواقع 3% سنويا في الفترة نفسها ، والاستقرار النسبي للأسعار (3%)، يواجه الاقتصاد تحدي إيجاد فرص عمل للمواطنين والذي بدأت تتضح معالمه أكثر منذ عام 2011م (جدول 3). ففي الوقت الذي قلت فرص الباحثين عن عمل للمواطنين، زادت فرص العمل للوافدين مما نتج عنه ارتفاع كبير في نسبة الاعتماد على اليد العاملة الوافدة في كافة القطاعات الإنتاجية.  وحسب تقديرات الجمعية الاقتصادية العمانية بلغت نسبة الباحثين عن عمل حوالي 25% في عام 2010م[1].

ويهدف هذا المقال إلى بحث واقع سوق العمل العماني باستعراض تشوهات سوق العمل العماني وأسبابه وتختتم بوضع توصيات لعلاج التشوه في سوق العمل وكيفية تنمية الكوادر البشرية الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة.

وتعدّ الخطط الخمسية التي اتخذتها السلطنة منذ عام 1976م الإطار العملي لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية ومنها التنمية البشرية. وقد حدد كتاب الخطة الخمسية الأولى (1976 – 1980) تنمية الموارد البشرية الوطنية كأحد الأهداف الأساسية للتنمية. ونص الهدف على “تنمية الموارد البشرية الوطنية ليكون لها دور أكبر في النشاط الاقتصادي”. وعُدّ هدف تنمية الموارد البشرية من بعد ذلك هدفا اساسياً لكل الخطط الخمسية اللاحقة.

ويمكن القول بأن التخطيط لتنمية الموارد البشرية مر بمرحلتين. المرحلة الأولى ركزت على تأهيل المواطن ليحل محل الأجنبي في القطاعين العام والخاص. وهذه المرحلة امتدت منذ بداية الخطة الخمسية الأولي 1976م وحتى نهاية الخطة الخمسية الثالثة في عام 1990م.

المرحلة الأولى للتخطيط

كان ضمن الأهداف الكمية التي جاءت في كتاب الخطة الخمسية الأولى هو تخفيض قيمة التحويلات من 135 مليون ريال عماني في عام 1976م إلى 102 مليون ريال عماني في عام 1980م وذلك عن طريق زيادة عدد الشركات المحلية وزيادة عدد العاملين من المواطنين. وهذا الهدف يؤكد أهمية العمل من اجل إحلال الشركات الوطنية محل الشركات الأجنبية والمواطنين محل الوافدين في سوق العمل. وأوضحت تقديرات الخطة الخمسية الأولى بأنه أقل قطاع يعمل فيه العماني هو قطاع البناء والتشييد إذ بلغت نسبة العاملين فيه من العمانيين 25%، وعليه يجب تأهيل كوادر وطنية في مجال البناء والتشييد لتحل محل الوافدين.

وأكدت الخطة الخمسية الثانية (1981 – 1985)، أهمية إنشاء وتوسيع شبكة مراكز التدريب المهني كضرورة لتطوير القوى العاملة وعلى أن يتم توزيعها جغرافيا على مختلف مناطق السلطنة ومراعاة طبيعة النشاط الاقتصادي في كل منطقة عند تصميم واعداد برامج التدريب. ودعت الخطة الخمسية الثالثة (1986 – 1990) إلى الحد من الاعتماد على العمالة الوافدة.

المرحلة الثانية للتخطيط

المرحلة الثانية بدأت بالخطة الخمسية الرابعة في 1991م وحتى الخطة الخمسية الثامنة الحالية (2011 – 2015). وفي هذه المرحلة، لا تزال تبذل الجهود لتأهيل المواطن ليحل محل الوافد في ما أطلق عليه بالتعمين[1]. وتقوم سياسة التعمين على تأهيل العماني ليحل محل الوافد خاصة في القطاع الخاص. كما تمت الدعوة الى ربط سياسات تنمية الموارد البشرية باستراتيجيات وأهداف التنمية الكلية ومواءمة مخرجات التعليم بسوق العمل. ودعت أيضا الى ضرورة تأهيل الكوادر البشرية لتتمكن من التعامل مع متطلبات التكنولوجيا.

وخصص كتاب الخطة الخمسية الرابعة (1991 – 1995 ) مساحة أكبر لتنمية الموارد البشرية (33 صفحة) وأكد أهمية تعاون الجهات المباشرة والمعنية بالموارد البشرية وهي وزارة التربية والتعليم، ووزارة الصحة، ووزارة الخدمة المدنية، ووزارة العمل والتدريب المهني مع وزارات وجهات رسمية أخرى  لها دور مهم في تنمية الموارد البشرية (ثمانية وزارات و خمسة مجالس ولجنة واحدة) وتوسعت الخطة في شرح أهمية ربط استراتيجية وأهداف تنمية الموارد البشرية بالأهداف الكلية للاقتصاد وضرورة مواءمة مخرجات التعليم ومتطلبات العمل. كما أكدت الخطة أهمية إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الاجنبية وضرورة زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل.

وفي الخطة الخمسية الخامسة (1996 – 2000) والتي تم خلالها وضع الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني: عمان 2020، حددت رؤية التنمية البشرية بأنها “تنمية الموارد البشرية وقدرات الإنسان العماني ليتمكن من إدارة المتغيرات التكنولوجية وانتاجها، والاستجابة للمتغيرات المحلية والدولية بكفاءة، وبحيث يتم المحافظة على العادات والتقاليد العمانية.” وأكدت الخطط اللاحقة (الخطة الخمسية السادسة، والسابعة، والثامنة) أهمية المبادئ الأساسية للرؤية المستقبلية والخاصة بالرؤية المستقبلية.

(وللحديث بقية)

[1] الجمعية الاقتصادية العمانية، سياسات العمل والتنمية المستدامة، ديسمبر 2013م

[1] اطلق مصطلح التعمين في الخطة الخمسية الرابعة (1991 – 1995) وذلك بهدف توطين وظائف القطاع الخاص بعد النجاح الكبير الذي تحقق في توطين القطاع العام.

شارك هذا الخبر