د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة
يأتي طرحنا لدور التعليم في ترسيخ مفاهيم المواطنة وتأصيل الحس الوطني ونحن نعيش أمجاد الثامن عشر من نوفمبر لنهضة عمان المتجددة وعيدها الوطني الحادي والخمسين المجيد، من منطلق محورية الدور الذي يجب أن يقوم به التعليم في هذا الجانب، ولعل الإشارة الصريحة المباشرة إلى التعليم في ترسيخ المواطنة والحس الوطني في المادة (16) من الفصل الرابع، المبادئ الثقافية من النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني (6/ 2021) ، حيث ورد ما نصه: ” التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية العمانية، والحفاظ على الهوية الوطنية، وتأصيل المنهج العلمي في التفكير، وتنمية المواهب، وتشجيع الابتكار، وترسيخ القيم الحضارية والروحية، وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح والتآلف.”؛ تعبير دقيق عن ما يمثله التعليم من خيار صعب في معادلة بناء المواطنة والحس الوطني، وتكوين شخصية المواطن السوية في العيش بإيجابية واضحة، وصحة نفسية عالية.
إن التعليم بذلك تجسيد عملي لمفهوم المواطنة وإعادة إنتاجها عبر مبادرات وتوجهات وأطر قياس واستراتيجيات عمل يومية يستشعر فيها المتعلم موقعه، والمكانة التي يحظى بها، ومسؤوليته في المحافظة على أعلى سقف من التوقعات ، بحيث تمثل بيئة التعليم نموذجا وطنيا مصغرا للوطن الأم الذي يمارس فيه الطلبة دور المواطن في حقوقه وواجباته ومسؤولياته، في التزامه وأخلاقه وقيمه ومبادئه، في قناعاته وأفكاره، وفق تشريعات واضحة، واستراتيجيات أداء محكمة، وإطار عمل يؤسس لمزيد من النهوض بالإنسان وحماية الأوطان، التزاما يمشي على الأرض ينعكس على كل محطات الحياة اليومية، وتظهر نواتجه في قدرة مخرجات التعليم على امتلاك ناصية العلم في سبيل بناء الوطن، وإعادة انتاج موارده، وترسيخ هويته، وأخلاقه، وتجسيدها في انتمائه لوطنه وولائه لسلطانه، ومحافظته على مكتسبات الوطن وصون موارده.
على أن قدرة التعليم على إنتاج سلوك المواطنة، وترقية الحس الوطني ، يرتبط بالفرص والسمات والعناصر التي يتميز بها التعليم عالي الجودة، ومستوى المرونة والمساحة التي يتيحها للمتعلم في قراءة واقعه الاجتماعي، في ظل حركة التجديد والتطوير المستمر التي ينشدها، والمرونة والديناميكية التي يتعايش معها، والتغيرات المرتبطة بفقه الأجيال واختلاف مداركهم وتنوع متطلباتهم، واتساع طموحاتهم، وتعدد احتياجاتهم، الأمر الذي يسهم في خلق تحول في مداركهم للحياة ونظرتهم للواقع، ونظرا لأن التعليم بدوره يلامس كل مكونات الإنسان الفسيولوجية والنفسية والصحية والروحية بما يمكن أن يوفره من موجهات لبناء الشخصية المتكاملة، فمن يصنع نجاح التعليم غير الإنسان، ومن يقوى على التعامل مع معطيات الواقع واستشراف المستقبل إلا من يمتلك ناصية العلم ويتقن مهاراته وينتج ثقافته، مدرك لكل الممكنات الداعمة لتحقيق تعلم نشط قائم على الاكتشاف والبحث والاستقصاء ، وما يرتبط بذلك من مساهمة الحياة الأكاديمية في تنمية البعد الاجتماعي لدى الطلبة، وتعزيز مفاهيم السلوك الايجابي المعززة لمنظور المواطنة ، والتي يمكن للتعليم الوفاء باستحقاقاتها من خلال مناهجه وانشطته وبرامجه ودوره في إنتاج الواقع الاجتماعي، وصناعة القدوات، وبناء القدرات وتعزيز البناء الفكري والوعي ، ورفع مستوى الثقافة المجتمعية حول التاريخ والهوية والموروث الحضاري والارث الحضاري لسلطان عمان الراحل.

وعليه فإن طرح علاقة التعليم بالمواطنة والحس الوطني وتأصيل فقهه في حياة الأجيال، تأكيد على الدور المحوي الذي يؤسسه التعليم في بناء الحس الوطني وترقيته وتأصيل معالمه وتعميق مبادئه واستيعاب الأجيال لمتطلباته، وخلق الحصانة الذاتية التي تضمن محافظة الأجيال على استحقاقات المواطنة ، وتأكيد على أهمية ان يستفيد التعليم من كل الفرص والمعطيات والمحطات والاستراتيجيات ، واستشعار عظمة الوطن في القلب، والمبدأ، والقناعة، والسلوك، فيصبح العمل الناتج متوافقا مع مبادئ المواطنة وروحها، مجسدا أخلاقها، مستوعبا متطلباتها.
إن مسؤولية التعليم بذلك البحث عن الأهداف العليا للمواطن التي تضمن قيامه بهذا الدور، ووصوله إلى استحقاقات التكريم، مرحلة تعميق ثقافة الابتكار في الحياة، وإدارة التنافسية بين البشر لصالح جودة الكمال الإنساني، بحيث يجد في التعليم مسار التنمية الصحيح، والطريق الأسلم الموجه له، وابتكار بدائل وحلول لمشكلات الإنسان، تسمو بعقله وقلبه، وترقى بمنظومة الدوافع والمشاعر لديه، وتعزز من قيمة الجمال والذوق والشعور بقيمة النعم التي أوجدها الله وسخرها له ، وتوفر له مساحات أكبر للتحاور والتعايش والتسامح والوئام والسلام الداخلي مع النفس والآخر ومفردات الحياة والكون بأكملها.
وبالتالي أن يستوعب التعليم التحولات والمستجدات، والتوافقات والتباينات، الحاصلة في عالم الإنسان الداخلي والخارجي، في وحدة إنسانيته، وتكاملية مسؤولياته، ويرسم خارطة طرق التنمية التي تبدأ من ذات الإنسان، واستدامتها في سبيل مواجهة تحديات الأمن الاجتماعي والبحث عن حلول لقضايا الإنسان التي باتت تشكل خطرا يهدد غايات الوجود وأهداف العيش الإنساني ، مثل قضايا حوادث المرور، وتأثير الأفكار التحريضية والأيديولوجيات كالإلحاد والنسوية، وقضايا الشباب والجريمة والتوظيف والتشغيل ، والتسريح، والتدريب والمواءمة مع سوق العمل، والمهارات اللطيفة، وابتكار أساليب تعالج مشكلات البيئة والمياه والغذاء، والصحة ، وكورونا، والفضاء، وتوظيف الطاقة المتجددة وغيرها، والتعامل مع الميول والرغبات والطموحات، وقدرته في ظل ما يمتهنه من أدوات التعليم والتعلم واستراتيجياته وكفاءة عناصره، على تخليص الإنسان من سلبية الأفكار وحالة التشاؤم الإحباط التي يعيشها ، وضبط مسارات القلق والخوف من المستقبل أو التطوير لديه.
أخيرا كيف يمكن أن يوظف التعليم بمختلف مستوياته هذه الفرص والمناسبات الوطنية في بناء حس وطني مستدام، وإيجاد روح متجددة لدى الأجيال، وبناء نموذج وطني يستشعر فيه مجتمع التعليم عظمة الوطن، وموقعه في القلب وحضوره في المبدأ والقناعة والسلوك، فيصبح العمل الناتج متوافقا مع مبادئ المواطنة وروحها، مجسدا أخلاقها، مستوعبا متطلبات الواقع، حاملا رسالة الحب والولاء لعمان وجلالة السلطان.





