أثير – موسى الفرعي
ما خلق الإنسان إلا بهدف العطاء بعد عبادة الحق سبحانه وتعالى الذي حمّله الرسالة وزانه بالعقل الذي يتفكر ويزن ويقرر به، وبالقلب الذي يعطي أوامره بالفعل، وهنا تتجلى مساحات الإنسانية وجوهرها، فكم من قرار يتخذه العقل ولكننا لا ننجزه، وكم من تعارض عقلي نجد أنفسنا نتجه إليه، لقد تشرفت بزيارة جمعية العطاء بدعوة كريمة من رئيسة الجمعية المكرمة مريم الزدجالية ومجموعة من الإخوة والأخوات الكرام، ليتجلى أمامي عمل هائل ينم عن حرفيته ووضوح رؤيته ويقين بجوهر الإنسان ودوافعه ومحركه، وهي جمعية خيرية أهلية تهدف إلى فرض نطاق صحي معافى للأفراد الذين وجدوا أنفسهم مفتقرين لأبسط متطلبات الحياة، وقد أذهلني ما رأيت عن أي قول، تبرعات تصل بالملايين، كفالة أسر، بناء منازل، والعديد من الأعمال الإنسانية التي أخذتها الجمعية على عاتقها، عمل خلاق تتزن به رؤيتنا إلى الإنسانية ومسارها وسط هذا المحيط المجنون الذي يعصف بالإنسانية في كوكبنا الجميل، مشاهد ومعلومات تطمئن القلب وتؤكد أن الإنسان بخیر طالما بقي عطاء بهذا الحجم من قبل أفراد ومؤسسات، وجهة تسيّر هذا العطاء في طرق صحيحة وسليمة إلى مستحقيها، لتضمن حياة كريمة لأناس وقفوا خارج دائرة الحياة نسبيا، وقد ثبت عن رسولنا الكريم قوله: من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
إذن فإن العطاء وسعي الإنسان للإنسان لا ينبع فقط من أعمق نقطة في الإنسانية بل هو درس نبوي موحى من رب البشر، وقد سخر الله عباده ليتكاملوا ولا يظلم بعضهم بعضا، وما يقوم بها هؤلاء الناس الذين يتبرعوا والمؤسسات بصفة القائمين عليها دليل على أن الإنسانية بخير، أو على الأقل ما زالت تدافع عن حق الإنسان وتناهض أي انتقاص من آدميته، وإني على يقين أن هناك صورا عديدة لهؤلاء الذين أشغلهم همهم الإنساني عن كل شيء، ولم تفقدهم ملذات الحياة ومتطلباتها شعورهم بإخوتهم في الإنسانية والدين والوطن، بمثل هؤلاء تطمئن القلوب، وبمثل جمعية كدار العطاء يمكن أن يفاخر الإنسان ويقدمها مثالا ودليلا على خير الأمة، وإمكانية انتصار المساحة البيضاء الكائنة في كل إنسان، المساحة التي كلما انتصر الإنسان لها وبها أصبح العالم أفضل.





