الروائي الأردني جلال برجس يكتب عبر “أثير” عن عالمية الرواية

يرى جلال برجس في مقاله المنشور عام 2022 أن محلية الرواية لا تعوق عالميتها، حين تحمل مضامين إنسانية ولغة تلامس القارئ وتتيح له بناء روايته الخاصة.

الروائي الأردني جلال برجس يكتب عبر “أثير” عن عالمية الرواية
Atheer - أثير

أثير- الروائي الأردني جلال برجس
قرأت ذات يوم خبرًا مفاده، أن بريطانيين، قاموا بعد أن قرأوا أعمال نجيب محفوظ، برحلة استكشافية إلى مصر تتبعوا عبرها الأماكن والمزاج الشعبي التي ظهرت في روايات أول عربي ينال جائزة نوبل للآداب عام 1988، وجعلت منه محليته روائيًا عالميًا. بالطبع لم أجد خبرًا لاحقًا يشير إلى نتائج تلك الرحلة القرائية الفريدة من نوعها، لكن كان ذلك الخبر بمثابة الحجر الأخير الأساسي الذي استقر في جدار قناعاتي حيال الرواية-أي رواية-وعالميتها الممكنة. فما الذي دفع بقراء ينتمون لجنسية، وعرق، وقومية أخرى أن يصابوا بكل ذلك الإعجاب بروايات تتطرق لأحداث وأماكن وأناس لا يخصونهم، ولا يتقاطعون مع تفاصيل عيشهم الحاضرة، ولا حتى مع تاريخهم، بغض النظر عن تقاطعات الحقبة الكولينيالية. وهل هناك عناصر خفية في تلك الأعمال الروائية التي تحوز على شغف الآخر القرائي؟
وحينما قرأت بتأن أعمال ماركيز الروائية، وهو الذي تمتع بانتشار عالمي عز نظيره، وعاينت أسلوبه، والثيمات الروائية التي اشتغل عليها، والأماكن التي دارت فيها أحداث رواياته، إضافة إلى أسماء الشخوص، والمدن والقرى، لمست معنى أن تقرأ عملًا لا يعنيك، لكنه في الوقت نفسه يشبهك.
أطرح هذين المثالين، لأتساءل: هل يكفي أن نقول أن الترجمة بصفتها الثقافية الناقلة إلى لغة أخرى، والجائزة بصفتيها التكريمية الترويجية هما السببان وراء ذلك الانتشار؟ أم هنالك أسباب أخرى تقف وراء عالمية تلك الروايات؟
هناك روايات حينما يتناولها قارئ يحس بأنها تعني كل القراء إلا هو. وهناك روايات، يشعر قارئُها بأنها تنطق باسمه وتتحدث نيابة عنه؛ فما الذي حدث في تلك الرواية التي يجد القارئ فيها نفسه، فيحبها، ويصدقها، وتصبح قريبة منه على نحو لا يتحقق مع باقي ما قرأ من روايات؟
في بدايات مشواري مع القراءة أخذت بروايات (فيكتور هوغو)، و(ياسوناري كواباتا)، و(تشارلز ديكنز) (وكافكا) (ويوسا) وآخرين، هؤلاء الروائيين الذين تخطوا حدودهم المحلية نحو العالمية. وما كان لذلك أن يتحقق لولا تلك المضامين الإنسانية التي كانت عصبًا رئيسيًا للشخصيات الروائية، مضامين لو بقيت على السطح السردي وبالتالي غير قادرة على النفاذ إلى الأعماق لما استطاعت أن تحقق ذلك القرب مع القارئ، الذي هو الأصل مجبول على التعاطف الآدمي. إن أكثر الروايات التي يمكن أن نقول أنها عالمية بالمفهوم الأدبي، ترك كتّابها فيها مساحات للقارئ ليبني روايته الخاصة، فالعودة إلى دوافع القراءة حتمًا ستجعل الأمر أكثر وضوحًا؛ فبالإضافة إلى الدافع المعرفي، والجمالي لقراءة الأدب هناك دافع سيكولوجي لدى الكثير من محبي القراءة وهو معاينة حيواتهم من زاوية جديدة؛ إذ يقاربونها من دون أن يعوا راغبين إما بترويض وجودي لآلامهم، أو بتأكيد ما يحلمون به. وربما من المناسب أن اشير هنا إلى ذلك الذيوع الكبير الذي وجدته رواية (العطر) لـلروائي الألماني (باتريك زوسكيند) التي وافقت رغبات شريحة واسعة من القراء في العالم، وفي العالم العربي، رغم طروحاتها الفلسفية، وظهور المجتمع الموصوف في الرواية كمجتمع عنيف وفقير بطبقة حرفية نشيطة وخلاقة يعيش ارهاصات ما قبل عصر الأنوار في تفاعل بين التدين الشعبي والتقدمية الفكرية للنخب الحضرية في فرنسا القرن الثامن عشر. حتى أن مبيعات هذه الرواية فاقت مبيعات (طبل الصفيح) لـ(غونتر غراس) الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1999 ، إذ تعتبر من أكثر الروايات مبيعًا في ألمانيا في القرن العشرين، حيث تُرجمت إلى 48 لغة وبيعت أكثر من 20 مليون نسخة عبر العالم.
من هذا المنطلق نلاحظ أن معظم الروايات التي تجاوزت حدودها المحلية كانت مطروقاتها محلية، لكنها لم تغفل المضامين الإنسانية، واللغة القادرة على ملامسة قلب القارئ وعقله، وعلى تلك المساحة التي تخص القارئ؛ فالمحلية ليست عائقًا أمام الانتشار، بل أنها شرط مهم للذهاب إلى العالمية بأعمال روائية تميزها الحاضنة البيئية الثقافية، والفكرية، وحتى الإيديولوجية.




شارك هذا الخبر