أثير- مكتب أثير في تونس
قراءة : محمد الهادي الجزيري
العالم صار محشورا في جهازي المحمول ..، أقول هذا لكي أتجاوز مقولة ” العالم صار حجرة ” ، فاليوم أصبح متاحا لي الدخول إليه متى أشاء ، وأنتقي منه ما أريد ، مثل ما وقع لي منذ أيام حين صادفت في المواقع الاجتماعية حمد محمود الدوخي العراقي الأصيل وقرأت إحدى قصائده فما كان منّي إلا أن أتواصل معه وأطلب منه مجموعته الشعرية ، فوافني بها بضغطة زرّ واحدة ..وبين يديّ الآن : ” عذابات الصوفيّ الأزرق “…

وجدت صعوبة في اقتطاع هذه الفقرة من قصيدة مهداة للأمّ ..، فهي متن متكامل يشهد لهذا الكائن العظيم مدى نبله وعطائه ، فلا أحد مثل الوالدة الحانية ..لذا وجدت صعوبة بالغة في انتقاء هذا المقطع فهو ليس أجمل المقاطع الموجودة في هذه القصيدة الجامعة لخصال الأمّ المؤمنة بأفضالها :
” لرُبابتي في الحزن شتلُ
وأنا بحضن الصوت طفلُ
الناي يجدل دمعتي بيديّ
فالمنديل حقلُ
أمّي عباءتها حقول الله
والأردان أهل
أمّي الطريق إلى الجهات جميعها
يدُها تدلّ
أمّي حدائقها يداها
تَستَظلُ ..وتُستظلُ ”
لكلّ شاعر نقطة ضعف وميل لسحر في الحبيبة ، وفي قصيدة ” الأسماء كلّها ” يكشف لنا حمد بعض أسراره ويعرّف لنا بعض الأشياء الموجودة في العالم وفي الأحبة ، فمثلا خذ الكحل له وقع خاص وتأثير على الشاعر ويمعن في مدحه ويجعل منه دليلا للغواية ..والحقّ كلّه معه فكم عانينا من الكحل وعلاقته بالعين ، يقول حمد :
” إطار لغمزتها
وهو خطّ الشروع الذي تتحدّد فيه
الحكايةْ
وحين يسيل مع الدمع
يرشدنا نحو بيت
الغوايةْ ”

يحاور الشاعر في هذه المجموعة بعض الشخصيات الأدبية وبعض الرفاق وينبش عميقا في الذاكرة ليستخرج قصيدة ، مرّة لوطنه العراق ومرة للحبيبة ومرات أخرى لأصدقاء رحلوا في البعيد أو مواضيع ذات شأن بالكتابة ..، فلنستمع إليه في قصيدة ” ملصق على باب الوطن ” ، وهو يغنّي ويفخر بانتسابه لحضارة العراق ..، يغنّي حتّى وإن كان الوطن يمرّ بفترة ضعف ووهن .. فيبقى دائما هو العراق المجيد :
” يحوك من جوعه إن جاع سنبلة
ومن جراحاته عيناه ترتشفُ
هذا الذي يلفح البارود جبهته
وخصمه في زوايا الحرب يرتجفُ
يظلّ يمشي لأنّ الأرض تسكنه
لأنّه وحده يدري متى يقفُ ”
جميلا صار عالمنا.. فهذه المجموعة مكتوبة بوضوح رائع على جهازي .. وهي صادرة عن شاعر عراقي .. عرفته منذ فترة قصيرة وهذا لعمري إنجاز عظيم للحضارة وللإنسانية التي يهزمها إلا الموت ، على كلّ نعود إلى حمد محمود الدوخي لنقول إنّه أستاذ دكتور في الأدب العربي الحديث ونقده ، وهو كذلك شاعر وناقد وناشط صحفي وعضو اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق ، وفي مجموعة ” عذابات الصوفي الأزرق ” برهن على فرادة موهبته وأنّه يتخذ من الشعر أداة للتواصل مع العالم ولتحديد مكان له بين فرسان الكلام ، أترككم مع مقطع من قصيدة ” هي هذه سلمى وتلك قصيدتي ” :
” سلمى تغادر شاشة المعنى
وتتركني وحيدا في المكان
أنا لا ألوم سوى دمي
فيداي أعدائي
ومن سيجيرني .. إن تخنقاني ؟؟؟ “





