د.إسماعيل بن صالح الأغبري
د.إسماعيل بن صالح الأغبري
قد تأتي بإذن الله تعالى أحوال تقلبات الطقس وتفاعل الجغرافيا بما يزعج البيئة والإنسان والحيوان، فيعصف بالمدن والقرى ما يسمى بالأعاصير المدمرة أو الزلازل والبراكين، وقد يفجأنا ما يسمى ب ( تسونامي) يدمر ويعبث بكل ما يصادفه، وله ارتدادات أخرى يطول أمدها.
وهناك نوع آخر من الرياح غير المرغوب فيها، والتي قد تأتي بآثار سلبية على البشرية بأسرها، فتحصد أرواح البشر، وتكون لها هزات ارتدادية، فتدمر البيئة والاقتصاد والأمن والسلام الإنساني والوئام العالمي إنه تسونامي التكفير، وهو أشد خطرا من تسونامي البيئة والطقس، ذلك أن تسونامي التكفير، وهو وليد تفاعلات نفسية واجتماعية وثقافية وفكرية، ومن المعروف أنه قد يكون من السهولة علاج الظواهر الطبيعية، ولكن من الصعوبة بمكان علاج الظواهر الفكرية النشاز.
إن تكفير الناس لمجرد خلاف فكري أو سياسي هو مما ابتليت به أمتنا الإسلامية، بل والبشرية، ومما يضاعف الأسى أن يتبنى الخط التكفيري المتشدد قوم يزعمون حراسة الإسلام والذود عنه ودفع البغي عن أهله، ويرون في أنفسهم أنهم المهتدون الأمثل طريقة، وغيرهم قد ضلوا وأضلوا السبيلا، وهؤلاء عليهم يقع قول الله تعالى {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً }الكهف 104
يزعمون القربة إلى الله، والرغبة في نيل رضاه بتكفير مخالف لهم في الفكر أو المنهج السياسي، عليهم غشاوة من غبش التصور وقصور الفهم، وعليهم وقع قول الله تعالى {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }الجاثية23
من أعجب ما يصنع هؤلاء المكفرون رغم بيان الحق لهم على ألسنة الخلق أنهم يزدادون إصرارا على ذلك المنهج التكفيري الاستئصالي، وكأنهم لم يمر عليهم تحذير الله لأقوام قد سبقتهم ركبت سبيل العناد، والتصامم عن نذر الحق وقوارع الحجة الدامغة {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }فاطر8
لعله لم تبل الأمة بما بليت به من تيار التكفير الذي غدا صوته مرتفعا أكثر من صوت التعقل والاعتدال في عدد من البقاع، مسائل سائغ الاختلاف فيها صارت عندهم قطعية، وقضايا فقهية لكل قوم دليل فيها جعلوها محورا ومدارا للشقاق والنزاع.
إن خطورة التكفير تكمن فيما يستتبع هذا التكفير من استباحة الدماء، وانتهاك الأعراض، ويصل أحيانا إلى التمثيل بالجثث.
إن التكفير يتبعه التفجير والتفخيخ وهو داء أضر كثيرا بصورة الإسلام الناصعة حتى صيره المكفرة وكأنه مارد مخيف أو كالريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم.
إن موجات التكفير والتفجير التي تشهدها بعض مناطق العالم تمنع الاستقرار والأمن في البلدان، وإذا اختل الأمن والاستقرار في بلد ما تعثرت التنمية الاقتصادية، وساد الركود، وذهبت الاستثمارات، وهربت رؤوس الأموال، وتمنع السياح من دخول تلك البلاد المضطربة، وغادرت رعايا الدول من تلك البلاد.
إن اختلال أمن البلدان نتيجة طبيعية لموجات التكفير، وقد يسبب ذلك قتالا داخليا في تلك البلدان، وتحزبا بغيضا، يودي بوحدة الدول، بل يمزقها إلى دول مما يعني ضعف تلك الدول ووقوعها فريسة للمتربصين بها، وتحول السكان إلى فارين أو لاجئين مشردين في دول مجاورة أو بعيدة.
إن عواقب التكفير على الشعوب والدول وخيمة، فهو ينذر بهدم ما تم بناؤه من الأمن والاستقرار، ومن المعروف أن الدم يورث الدم، وهكذا بسبب التشدد والتكفير تدخل البلدان في دوامة لا تتوقف من حالات الكر والفر بين أبناء الوطن الواحد.
إن بلوغ موجات التكفير أي بلد من البلدان يعني موجات نزوح ومعاناة شديدة للسكان، وكذلك يعني حالات تهجير قسري للناس، ولا يخفى ما في ذلك من ظلم واعتداء على كرامات الناس والأوطان.
إن التكفير يؤذن بانهيار الروابط الاجتماعية في تلك البلدان التي غزتها موجات التشدد والتكفير، فكم من علاقات كانت قائمة بين الجوار والأسر، وكم من علاقات مصاهرة كانت قائمة فلما تأثرت بموجات التشدد والتكفير تقطعت تلك الصلات، وتحولت الصداقات إلى عداوات مستعصية.
إن التكفير هدم لكل بناء قائم، ومن المعروف أن البناء صعب للغاية، ولكن الهدم في دقيقة ولحظة.
أما عن سبل مواجهة موجات التكفير والتشدد فكثيرة، منها ما يقع على عاتق الحكومات والدول ومنها ما يقع على عاتق المنظمات الإقليمية والدولية، ومنها ما يقع على الشعوب والأمم.
فيمكن للحكومات مواجهة موجات التشدد والتكفير عن طريق وضع خطط وبرامج توعية تربوية وإعلامية تنبه إلى خطورة التشدد، كما ينبغي بث وعي في نفوس الناشئة في مختلف الأنشطة والمحافل، يتم تبصير الأجيال بعواقب التشدد والتكفير، وكذلك ينبغي للدول والحكومات أن تعزز من تدريس الشريعة الإسلامية في محافلها لأن تعليم الشريعة وتدريس الإسلام في مؤسسات الدول خير لها من سعي الشعوب إلى البحث عن تعلمها من خلال جامعات أو كليات خارج إشرافها، وقد تتوجه الناشئة لدراسة الشريعة من خلال قنوات فضائية متشددة، تديرها أفواه ذات توجهات وأيدلوجيات.
إن الدول التي تغفل عن تدريس أمور الدين وتتولى ذلك بنفسها تساهم بطريقة غير محسوبة ولا مباشرة في بدأ تسرب التشدد إليها، فلئن تصنع الناشئة على عين الدول خير من أن تلتمس المعارف الخاطئة من خلال القنوات المتشددة أو مواقع شبكة المعلومات العالمية الموسومة بالإسلامية؟
إن الراغب من الناشئة في تعلم الدين وهو غض طري لا يسأل عن توجه من يعلمه، ولا يتفحص في أيدلوجيات من يعتبره مصدرا لتعلم الدين على يديه، وإنما الذي يهمه هو التعلم فقط، وهنا يقع كالعجينة بين يدي من يعلمه، فيشكله معلمه سواء أكان شخصا ماثلا أو وسيلة مسموعة أو مقروءة أو مرئية على ما يريد.
كما أنه يمكن للمنظمات الإقليمية والدولية معالجة التشدد وموجات التكفير عن طريق تولي هذه التجمعات والمنظمات التي تمثل الحكومات كالجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي إنشاء قنوات فضائية دينية تمثل صوت الاعتدال، وتحذر من خطورة التشدد والتكفير على البلدان والشعوب، وهذه الخطورة على الأمن والاقتصاد والنواحي الاجتماعية وعلى حياة الناس، ويمكن لهذه المنظمات تنظيم دورات وورش ولقاءات بين مفكري الأمة، ليس بقصد التحدي والمناظرات العقيمة، وإنما بقصد عرض الرأي والرأي الآخر دون تشنج أو تسفيه أو تحقير، ويمكن لهذه التجمعات والمنظمات أن تنشر كتبا تعرف بالإسلام ومنهجه الاعتدالي.
أما ما يجب على الشعوب فهو نبذ كل صوت داع إلى التشدد والتكفير، ومحاصرة المتشددين بترك مجالسهم، وكشف دعواتهم بالتحذير منهم.
وينبغي على الآباء مراقبة أبنائهم من حيث مصدر المعارف التي يتلقونها، ومن حيث الكتب والشخصيات التي يلازمونها، وكذلك ينبغي تفحص الجيل الناشئ عن القدوات التي يتخذها فإن كان معجبا بالشخصيات التي صارت علما معروفا في التكفير والتفخيخ والتفجير والاختطاف كان الواجب على ولي الأمر تنبيه الناشئة على الخطر الفكري الذي قد يصيب هذه الناشئة، وعواقب ذلك أمنيا وقانونيا.
ينبغي على الدول أن تجفف منابع التكفير والتشدد وذلك بمنع المتشددين من التمكين لهم في ساحات المعارف والعلوم، وكذلك ينبغي تخليص الجامعات والكليات من المناهج المكفرة أي ينبغي العمل على وأد فكر التكفير في مهده، وهذا يحتاج إلى إرادات فعلية.
لعل بعض الدول لا تريد إقصاء التشدد ومحاصرة التكفير وذلك لأن بعض الدول تريده سلاحا لتصفية حسابات مع دول تختلف معها في المناهج السياسية، وقد لا تقوم بعض الدول بمحاصرة فكر التكفير لأنها أحيانا قد ترغب في إضعاف دول معينة منافسة لها اقتصاديا، وقد ترغب في إضعافها سياسيا.
تلك الحسابات في حقيقتها حسابات ضيقة وآنية في وقت واحد، لأن التشدد والتكفير هو من الأسلحة ذات الارتداد للخلف، أو هو من النيران ( الصديقة) والتكفير أشبه بأسراب الطيور المهاجرة، التي لا تعرف الحدود.
إن الشعوب التي تحتضن التشدد أو تتستر على المكفرين أو تدافع عنهم تعتبر بمثابة من نحر جسده بمديته، وغرز خنجره في صدره، وهدم بنيانه بيده.