
أثير – تاريخ
أثير – تاريخ
تشير الثوابت التاريخية، إلى أن أقصر حرب عرفها التاريخ العُماني هي تلك الحرب غير المتكافئة، التي دات ر رحاها بين جيش السيد خالد بن برغش المكوّن من عدد من جنود الحرس السلطاني ،و العرب المسلحين ببنادقهم التقليدية من ناحية، وبين الجيش البريطاني ببوارجه ، وأسلحته الثقيلة من ناحية أخرى في مدينة زنجبار القديمة بتاريخ 27 أغسطس من عام 1896م، واستمّرت لمدة خمس وعشرين دقيقة.
اندلعت هذه الحرب على خلفية إصرار السيد خالد على المطالبة بإرث أبيه في الحكم، وادعائه للمرة الثانية بأنه أحق بالعرش من غيره، بعد أن توفي ابن عمه السلطان حمد بن ثويني عام 1896م. وتجدر الإشارة إلى أن الصراع على العرش لم يصل إلى حد استخدام السلاح هكذا مباشرة، وإنما سبقته ارهاصات تعود إلى عام 1893م، عندما اقتحم السيد خالد القصر، وشرع في فرض نفسه على الإدارة الإنجليزية، وتنصيب نفسه سلطانا على البلاد- مستندا على إرادة الشعب، خلافا لما تفرضه اتفاقية الحماية –بعد أن توفي عمه، في ذلك العام السلطان علي بن سعيد بن سلطان.
فالمعروف إنه وبموجب اتفاقية الحماية لعام 1890، فإن تعيين السلاطين في زنجبار كان يتم بموجب إرادة ملكية، تصدر عن ملكة بريطانيا ، وليس للإرادة الشعبية ثمة اعتبار في ذلك. وعليه، فإن موقف السيد خالد شكّل خرقا صارخا للاتفاقية، مما دفع بالإدارة الإنجليزية في زنجبار إلى اتباع الإجراء العسكري لإخراج السيد خالد من قصر الحكم، الذي كان قد فرض نفسه عليه. وبناءً على نصائح العرب، فلقد خرج السيد خالد من القصر، فاسحًا المجال للمرشح الذي اختارته الإدارة الإنجليزية للعرش، وهو ابن عمه السيد حمد بن ثويني بن سعيد بن سلطان، الذي نودي سلطانا على زنجبار في اليوم نفسه. وكان خروج السيد خالد من القصر، حقنا للدماء أيضا، بعد أن لاحظ تأهب القوات البريطانية لاستعمال القوة لإخراجه وأتباعه من القصر عنوة.
إن السلطان حمد بن ثويني، كان مؤمنا في قرارة نفسه بأحقية السيد خالد عنه بعرش زنجبار، إذ أن السيد خالد، ينحدر من فرع سلاطين زنجبار (بعد تقسيم الامبراطورية)، فوالده كان من سلاطين زنجبار الأقوياء، وصنع مجدا عظيما لبلاده، بينما هو ينحدر من فرع سلاطين عُمان. لذلك أخذ السلطان حمد بن ثويني يقرّب السيد خالد إلى بلاطه في الفترة السابقة لوفاته، وكأنّه يهيئه للحكم بطريقة غير مباشرة، ومن مظاهر هذا التقريب تكليفه برعاية احتفال القصر بالمولد النبوي الشريف، عندما اشتد به المرض في تلك الفترة. ويقال أن السيد حمد وجد السيد خالد يتمتع بشعبية وطنية قوية بين العرب، واعتقد خطأ أن الإنجليز سيرضخون للإرادة الشعبية.
إن إحساس السيد خالد بأحقيته بالعرش لم يهدأ بداخله، سيما وأنه وجد من ينشط ويحفز لديه هذا الإحساس، والمتمثل في شخصية السلطان حمد بنفسه. فبعد أن كان في وقت سابق يهيئه للحكم بشكل غير مباشر، دأب في الأيام الأخيرة لسلطنته على تحريضه للتمرد على سلطة الحماية، حال شغور منصب السلطان بوفاته، فعندما اشتد على السلطان مرض الموت أرسل السيد خالد بألا يتأخر بعد وفاته عن الارتقاء على عرش البلاد، وأوعز إلى رئيس حرسه السلطاني، صالح مرباجني القمري بمعاضدة السيد خالد، وبطاعة أوامره. هكذا، فلقد شغر منصب السلطان بوفاة السيد حمد بن ثويني في عام 1896م فعمد السيد خالد بن برغش إلى تكرار محاولته السابقة، وبعزيمة أشد، حيث بادر هو ومؤيده بدخول قصر الحكم، قبل وصول المسؤولين الانجليز- متحصنا هذه المرة بقوة الحرس السلطاني، التي عزّز من شوكتها السيد حمد بن ثويني، وأعلن نفسه سلطانا على عرش زنجبار، بعد أن بايعه أنصار العرب- خلافا لما تقضي به اتفاقية الحماية- وأمر السفينة السلطانية، Glasgow، بأن تضرب المدافع إعلانا بذلك. وعليه، فلقد احتل الحرس السلطاني، مواقع دفاعية وأرسل السلطان الجديد بيانا إلى القناصل المعتمدين في البلاد، يعلمهم بتسلمه العرش، وأنه سيتخذ الإجراءات اللازمة للمحافظة على الأمن، مؤكدا لهم عدم مسؤوليته عن الدماء التي ستراق نتيجة لتهور الإنجليز، كما أرفق بيانه طلبا بالاعتراف به كسلطان على البلاد. وامتنع جميع القناصل عن الإعراب عن موقف بلادهم تجاه ذلك الحدث، إلى حين استقراء ردة فعل سلطة الحماية البريطانية. وبسبب المعاضدة الشعبية القوية (عربية عامة) التي حصل عليها السيد خالد، ناهيك عن مساندة قوة الحرس السلطاني التي خلفها له السيد حمد بن ثويني، لم يعبأ بالإنذارات التي وجهت إليه من القنصل العام البريطاني بالإنابة Mr. Basil Cave ، وإنما ردّ عليها: بأنه يؤثر الموت على التنازل عن حقه في العرش. يذكر أن السيد خالد استشار مناصريه من العرب قبل أن يتمسك بوقفته الشجاعة تلك، فكان ردهم (المنية و لا الدنية)، مؤكدين له استعدادهم للقتال دون الرضوخ للإنجليز، وذلك بقولهم بما معناه أن بنادقهم لن تغمد قبل أن يفرضوا على الإنجليز إرادة شعب زنجبار في اختيار سلطانه. ومما يذكر أيضا، فإن السيد خالد رأى من تسلط الإنجليز انتهاكا صارخا ، وتدخلا سافرا في سيادة الدولة، لا يمكن بحال من الأحوال الرضوخ لهما. كما ينبغي العلم أنه إلى جانب مطالبة السيد خالد بإرث أبيه في العرش، سعى من وقفته الشجاعة المتقدمة إلى استنهاض بلاده واستعادة استقلاله، وتخليصه من سلطة الاستعمار البريطاني.
وفي تمام التاسعة ودقيقتين، من صباح يوم الخميس الموافق 27 اغسطس 1896، الذي صادف ثالث أيام حكم السيد خالد، فبينما كانت قوات السلطان “تنشد وتصدح بالأناشيد العسكرية الحماسية”، أطلقت البوارج البريطانية نيران عدوانها ومدافعها تجاه قصر الحكم، وبيت العجائب، مسقطة أجزاء كبيرة من الأول وألحقت بالثاني أضرارا متوسطة، مخلفة وراء الهجمة أعدادا من القتلى والجرحى، كما أغرقت السفينة السلطانية Glasgow، والتهمت نيران المدافع ما يقدر بنصف مساحة الجمارك، أو ما يعرف “بالفرضة”.
وبينما كان السيد خالد وسط أنقاض بيت الحكم، وقبل أن تمتد إليه يد الغدر، انقضّ عليه رئيس الحرس صالح مرمباجني القمري، بشجاعة فائقة وانتشله من فوهة البركان التي كانت لا تزال تشتعل، فإذا بالشيخ القاضي محمد بن سليمان بن سعيد المنذري يزف إلى السيد خالد نبأ حصوله على الحماية الألمانية، ليصطحبه من فور ذلك إلى مقر القنصلية حيث الحماية والأمان لينقله الألمان بعدئذ إلى دار السلام، التي كانت مستعمرة ألمانية بواسطة السفينة الحربية Seeadler، وأبقته هناك كلاجئ سياسي.
ويقول المغيري في كتابه ( جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار) :أن الامانة التاريخية تقتضي عدم إغفال دور رئيس الحرس في وقفته بجانب السيد خالد، التي تعكس مدى إخلاصه ووفائه للعائلة المالكة، وتنفيذه لوصية السيد حمد بن ثويني في الانصياع لأوامر السيد خالد، إذ أصرّ على مرافقته إلى السفارة الألمانية، بل وإلى دار السلام أيضا، ومكث هناك في خدمة سيده إلى أن توفاه الله.
وإلى جانب الانتصار الواضح للإنجليز، والرسالة الجلية التي تحقق لها إيصالها إلى الأسرة المالكة، على اعتبار أنها هي فقط من يملك تحديد سلاطين زنجبار، حسبما ورد في مذكرة الحماية، تحقق للإنجليز كذلك إيصال رسالة مماثلة لعرب زنجبار، فترسخ في أذهانهم مفهوم أن الإنجليز هم المسيطرون الفعليون في البلاد. وهذا ما أشار إليه القنصل البريطاني في زنجبار، الميجور إف. بي. بيرس، بعد سنوات من القصف، حيث قال: “في التاسعة من صباح 27 أغسطس 1896، تعلم العرب والسواحليون في زنجبار، وتجرأوا على وضع الشعار البريطاني (الأسد والحصان) ليس على كرسي العرش فحسب، كما كان عليه الحال في سلطنة السيد حمد بن ثويني، وإنما على مختلف الأوراق الصادرة عن الحكومة، كما وعينوا وزراء إنجليز على رأس الوزارات المختلفة، بدلا من العرب الذين تم تنحيتهم جانبا.
المرجع : الريامي، ناصر بن محمد. زنجبار: شخصيات وأحداث، ط1، دار الحكمة، لندن، 2009م





