خاص-أثير
حين يُنظر اليوم إلى مشاريع مثل المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى، والاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية ، ومشروعات شبكات النقل الحديثة، والمدن المتكاملة، قد يبدو المشهد وكأنه نتاج سنوات قليلة من التخطيط؛ إلا أن العودة إلى جذور التحول الحضري في سلطنة عُمان تكشف عن رحلة طويلة ومعقدة بدأت من واقع مختلف تمامًا، كانت فيه البلاد تعاني عزلة شديدة وضعفًا في البنية الأساسية وغيابًا شبه كامل لمفهوم التخطيط العمراني الحديث.
تكشف المعلومات التاريخية التي اطلعت عليها “أثير” والمرتبطة بمسيرة التخطيط العمراني في سلطنة عُمان أن فهم مستقبل المدن العُمانية لا يمكن أن يتحقق دون العودة إلى التحولات التي شهدتها البلاد منذ عام 1970، وتحليل العلاقة بين الخطط والاستراتيجيات من جهة، والتنفيذ الفعلي على أرض الواقع من جهة أخرى.
ما قبل 1970م : العزلة العمرانية والمدن المحدودة
قبل عام 1970، كانت السلطنة تعيش واقعًا مختلفًا تمامًا؛ إذ كانت المدن محدودة الامتداد، والخدمات الأساسية شبه غائبة، فيما فرضت الطبيعة الجغرافية القاسية – من صحارى وجبال وندرة مياه – تحديات كبيرة على الاستقرار البشري والتنمية الحضرية.
ورغم أن مسقط ومطرح شهدتا بدايات مبكرة للعمل البلدي والتنظيمي منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عبر إنشاء دائرة لتنظيم الطرق والإسكان عام 1938، ثم تأسيس أول مجلس بلدي عام 1939، إلا أن التنمية بقيت محدودة حتى اكتشاف النفط تجاريًا في ستينيات القرن العشرين.
كما كانت البلاد تعاني في تلك الفترة من الفقر والصراعات وضعف الخدمات، حيث لم يكن في سلطنة عُمان عام 1970 سوى ثلاث مدارس فقط ومستشفى محدود الإمكانيات في مطرح.
نهضة 1970م : بداية التحول الحضري الكبير
شكّل 23 يوليو 1970 نقطة التحول الأبرز في تاريخ عُمان الحديث، مع تولي السلطان قابوس بن سعيد –طيب الله ثراه– مقاليد الحكم، وبدء ما عُرف لاحقًا بـ “النهضة العُمانية الحديثة”.
وخلال السنوات الأولى بعد 1970، ركزت الدولة بشكل مباشر على بناء مؤسسات الدولة الحديثة، عبر الاستثمار المكثف في التعليم والصحة والطرق والبنية الأساسية واستغلال موارد النفط والغاز.
وفي تلك المرحلة، لم يكن الهدف مجرد إنشاء مبانٍ أو طرق، بل بناء منظومة حضرية متكاملة قادرة على استيعاب التحول الاقتصادي والاجتماعي السريع الذي شهدته البلاد.
التخطيط العمراني يدخل المشهد
مع بداية السبعينيات، بدأت الحكومة في تأسيس منظومة تخطيط حضري حديثة، إذ تم إنشاء المجلس الأعلى للتخطيط الاقتصادي والتنمية، ووزارة شؤون الأراضي، إلى جانب إصدار قانون تنظيم الأراضي، وهي خطوات شكّلت الأساس المؤسسي للتوسع العمراني.
كما شهدت تلك الفترة إعداد أولى الخطط الحضرية الحديثة للعاصمة، مثل خطة تطوير مطرح الكبرى، ثم تخطيط مدينة مسقط من قبل “مكية ومشاركوه”، إلى جانب أول مسح للنقل في السلطنة عام 1973.
وفي تلك المرحلة أيضًا، برزت مدينة روي كأول مدينة حديثة في مسقط، إذ تحولت من منطقة محدودة إلى مركز حضري وتجاري جديد شكّل بداية الامتداد العمراني الحديث للعاصمة.
تحول “المدينة التقليدية” إلى “العاصمة الممتدة”
وخلال السبعينيات والثمانينيات، بدأت مسقط تتحول تدريجيًا من مدينة ساحلية محدودة إلى شريط عمراني طويل يمتد على الساحل، مدفوعًا بسياسات توزيع الأراضي والتوسع السكني السريع.
ولعب نظام توزيع الأراضي دورًا محوريًا في تشكيل المدن العُمانية الحديثة، لكنه في الوقت نفسه ساهم في خلق أنماط عمرانية مترامية الأطراف اعتمدت بشكل كبير على السيارة الخاصة، وأثرت لاحقًا على النقل وجودة الحياة وكفاءة الخدمات.
كما أن التخطيط الحضري في تلك الفترة ركز بصورة كبيرة على توفير الأراضي والمساكن والخدمات الأساسية، أكثر من تركيزه على الكثافة العمرانية أو الاستدامة أو النقل العام.
الثمانينيات مرحلة التشريعات والمؤسسات
مع اتساع المدن، بدأت السلطنة تدخل مرحلة جديدة عنوانها “التنظيم والتشريع”، فصدر قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث عام 1982، وتم إنشاء وزارة البيئة، إلى جانب إعداد المخطط العام للطرق السريعة.
وفي عام 1985 تم إنشاء اللجنة العليا لتخطيط المدن، التي أصبحت لاحقًا من أبرز الجهات المشرفة على التخطيط العمراني في البلاد.
كما شهدت تلك المرحلة إعداد المخططات الإقليمية والهيكلية لمسقط والباطنة ومسندم، وهي مخططات هدفت إلى تنظيم التوسع العمراني وتحديد مراكز النمو المستقبلية.
الاستدامة تدخل الخطاب العمراني
بحلول التسعينيات، بدأت مفاهيم البيئة والاستدامة تدخل بشكل أوضح في السياسات العمرانية العُمانية، خصوصًا مع انضمام السلطنة إلى اتفاقيات دولية تتعلق بالتنوع البيولوجي وتغير المناخ.
وشهدت هذه المرحلة تحولًا مهمًا بانتقال التركيز من مفهوم “التوسع العمراني” إلى التفكير في “الاستدامة العمرانية”، أي كيفية بناء مدن قادرة على تحقيق التوازن بين الاقتصاد والمجتمع والبيئة.
وفي عام 1996، جاءت رؤية “عُمان 2020” لتربط التخطيط العمراني بالأهداف الاقتصادية والتنموية بعيدة المدى، وهو ما مهّد لاحقًا لظهور الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية.
أزمة التنفيذ
على الرغم من كثرة الخطط والاستراتيجيات، فإن التحدي الأكبر لم يكن في “إعداد الخطط”، بل في “تنفيذها”، فقد أظهرت المراجعات المتعلقة بمسيرة التخطيط العمراني وجود فجوة واضحة بين الاستراتيجيات الموضوعة والتنفيذ الفعلي، مع تحديات مرتبطة بالاستراتيجيات نفسها وأخرى مرتبطة بآليات التطبيق على أرض الواقع.
ومن أبرز الإشكالات التي ظهرت خلال العقود الماضية:
- التوسع العمراني المترامي.
- الاعتماد الكبير على السيارات الخاصة.
- ضعف النقل العام.
- التباعد بين السكن والعمل.
- ضعف إدارة التنمية الحضرية على مستوى المدينة.
- التوسع في مناطق معرضة لمخاطر الأودية والفيضانات.
لماذا أصبحت مسقط “حالة خاصة”؟
برزت مسقط كحالة حضرية خاصة؛ كونها المدينة التي شهدت أكبر تحول عمراني في السلطنة، وأصبحت تمثل مركز الثقل السكاني والاقتصادي والإداري.
كما جمعت العاصمة في تجربتها معظم التحديات المرتبطة بالنمو الحضري السريع، من الإسكان والنقل والبيئة، إلى جودة الحياة وإدارة الموارد.
وتكشف التحولات العمرانية أن كثيرًا من القضايا الحالية – مثل الزحام، وتباعد الأحياء، والاعتماد على السيارة – ليست مشكلات طارئة، بل نتائج تراكمية لسياسات عمرانية امتدت لعقود.
عام 2008 بداية التفكير الوطني الشامل
مثّل عام 2008 نقطة تحول جديدة، مع طرح مناقصة إعداد “الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية” وهي أول محاولة لبناء رؤية مكانية وطنية شاملة تربط بين توزيع السكان، والنمو الاقتصادي، والنقل، والبيئة، والتنمية الإقليمية.
وقد جاءت هذه الخطوة إدراكًا بأن مستقبل المدن لا يمكن أن يُدار عبر مشروعات منفصلة، بل عبر رؤية وطنية متكاملة طويلة المدى.
التحول من “مدينة تنمو” إلى “مدينة تُعاد صياغتها”
وفق رصد “أثير” للمعلومات المستعرضة في مركز التجربة والمبيعات، تكشف المراحل اللاحقة لمسيرة المخططات الهيكلية لمسقط الكبرى عن انتقال العاصمة من مرحلة التوسع العمراني التقليدي إلى مرحلة إعادة تشكيل المدينة وفق رؤية استراتيجية طويلة المدى.
فمع تزايد عدد السكان وتسارع النمو العمراني، بدأت التحديات المرتبطة بالنقل والخدمات والازدحام والموارد تظهر بصورة أكثر وضوحًا، وهو ما دفع إلى تبني تحولات تخطيطية أعمق خلال العقد الأخير.
ففي عام 2016، ومع وصول عدد سكان مسقط إلى نحو 1.2 مليون نسمة، أُطلقت الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية باعتبارها إطارًا بعيد المدى لإدارة النمو الحضري، وربط التنمية الاقتصادية بالتخطيط المكاني والاستدامة، لتشكل نقطة تحول في التفكير العمراني على مستوى السلطنة.
أما في عام 2022، فقد دخلت مسقط مرحلة وُصفت بـ “الازدحام الحضري”، بعدما تجاوز عدد السكان 1.4 مليون نسمة، الأمر الذي أدى إلى زيادة الضغط على البنية الأساسية والخدمات وقطاع الإسكان ووسائل النقل، ما جعل الحاجة أكثر إلحاحًا لإعادة تنظيم العلاقة بين التوسع العمراني وجودة الحياة داخل المدينة.
وفي عام 2025، شهدت العاصمة ما يمكن وصفه بـ “التحول الاستراتيجي”، حيث تم اعتماد المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى، بالتزامن مع وصول عدد السكان إلى نحو 1.5 مليون نسمة، ليصبح المخطط المرجعية الرئيسية لإدارة التنمية المكانية والاستثمارية للعاصمة، عبر توجهات تقوم على المدينة الخضراء والمترابطة والمنتجة والحيوية والآمنة.
وبحلول عام 2040، تتجه الرؤية نحو “رحلة التحول”، إذ يُتوقع أن يصل عدد سكان مسقط إلى نحو 2.7 مليون نسمة، ضمن تصور يستهدف بناء مدينة مستدامة ومتصلة وأكثر كفاءة، تعتمد على النقل العام، وتوسع المساحات الخضراء، وتحقق توازنًا بين الاقتصاد وجودة الحياة والبيئة، في تحول يعكس انتقال مسقط من مجرد مدينة تتوسع عمرانيًا إلى مدينة تُعاد صياغتها وفق مفهوم حضري حديث ومستدام.
المصدر: وزارة الإسكان والتخطيط العمراني




