د.مجدي العفيفي يكتب رأيه في الباحثين عن زعامات سياسية رخيصة (2)

د.مجدي العفيفي يكتب رأيه في الباحثين عن زعامات سياسية رخيصة (2)
د. مجدي العفيفي، كاتب وصحفي مصري
أثير- الدكتور مجدي العفيفي، كاتب وصحفي مصري
في هذا الزمن الكالح، زمن الصور المعلّبة والزعامات المستوردة، صار كل شيء يُباع - حتى الوعي. تُصنع الزعامة في استوديوهات الإضاءة، وتُقدّس على شاشات تُجمّل الأكاذيب، وتُسوّق للشعوب كما تُسوّق السلع:
بشعارٍ براق، وموسيقى وطنية، ودموعٍ مصطنعة.
لم يعد الطاغية يولد من رحم الدم، بل من رحم الكاميرا.
لم تعد الزعامة تُصنع في الميدان، بل في المونتاج.
ولم يعد الولاء يُقاس بالإيمان، بل بعدد المتابعين والمشاهدات.
هذا هو زمن الإله الإعلامي، الذي يمنح الحياة للحاكم ساعة البث، ويُميت الوعي مع كل إعلانٍ جديد.
زمنٌ تتسابق فيه الدول لتقديس القائد، وتتنافس فيه الشعوب على مَن يرفع صوته أعلى بالهتاف، كأن الوطنية صارت مقاسًا للصوت لا للعقل.
كل شاشة معبد، وكل مذيع كاهن، وكل نشرة أخبار صلاةٌ يومية في محراب السلطة.
في هذا العالم المقلوب، يُعاد تشكيل الضمير الجمعي على أيدي خبراء الدعاية، ويُحقن الناس بالانبهار كما يُحقن الجسد بالمخدر، حتى لا يروا أن المجد المعروض أمامهم ليس إلا ديكورًا لحكايةٍ فاسدة.
لكن التاريخ لا ينام إلى الأبد.
فالنار التي تُشعلها الأكاذيب هي نفسها التي تُضيء طريق القيامة.
تستيقظ الشعوب ذات صباحٍ مختلف، وقد ملّت الكذب المكرر، فتمزّق الستار، وتكتشف المسرحية.
وحين تنكسر الكاميرات، وتصمت الأبواق، وتتوقف الميديا عن بثّ الطوفان، يظهر الوطن في صورته العارية:
جسدٌ منهك، وعقلٌ مسحوق، وروحٌ تبحث عن خلاص.
وهناك تبدأ القيامة السياسية - حين يتحول التصفيق إلى صراخ، والخوف إلى وعي، والزعيم إلى موظفٍ صغير في دفتر الشعب.
فما بعد الزيف لا يبقى إلا الوعي،
وما بعد الوعي لا يُبقى إلا الكرامة،
وما بعد الكرامة يولد وطنٌ جديدٌ من رماد الأكاذيب.
في كل عصرٍ يطلّ علينا جيل من المتطلعين، لا يحمل مشروعًا ولا فكرة ولا رؤية، بل يحمل شهية مفتوحة للزعامة. أولئك هم «الباحثون عن زعامات سياسية رخيصة»، الذين يحسبون أن التاريخ يُشترى بثمن، وأن المجد يُؤجّر في موسم الانتخابات، وأن الأوطان يمكن أن تُدار بمنطق “البروفة” و“اللقطة” و“الهاشتاغ”!
هم ورثة عصرٍ مريضٍ بالأسماء لا بالأفكار، وبالوجوه لا بالعقول، وبالألقاب لا بالأدوار. ترى أحدهم ينام “ناشطًا” ويصحو “قائدًا”، يرفع رأسه أمام الكاميرا كأنما يتكلم باسم الله، ووراءه جوقة تصفّق وتنعق وتسبّح بحمده حتى يُصدّق أنه المخلّص المنتظر.
إنهم تجار الرمزية الزائفة في زمنٍ فقد رموزه الحقيقية.
فمنذ أن ماتت الزعامات الكبرى التي صنعت التاريخ، تسلّل إلى المشهد نوع جديد من “الزعماء”: زعيم الـ«سوشيال ميديا»، وزعيم الـ«تريند»، وزعيم اللحظة، الذي لا يصمد أكثر من عمر «الهاشتاغ».
السياسة اليوم -في عيون هؤلاء- ليست فنّ الممكن، بل فنّ الصورة، ولا تحتاج إلى حكمة، بل إلى فريق دعاية. لذلك رأيناهم يتكاثرون كالأعشاب الضارة في تربة الخواء العربي: فهذا مثلا “زعيم الشرق الأوسط” قبل أن يثبت أنه قادر على حكم شارع..
إن هؤلاء لا يطمحون، بل “يتطلّعون”. والفرق بين الطموح والتطلع، كما قلت ذات يوم، هو الفرق بين من يبني سُلّمًا إلى القمة ومن يرسم القمة على الورق. الطموح فعلٌ في الأرض، أما التطلع فهو أمنية في الهواء.
والسياسة لا تُدار بالهواء، بل بالعرق والدم والعقل.
لقد تغيّرت موازين العالم، وأصبحت الشعوب أكثر وعيًا وخوفًا من الكاريزما، كما لاحظ المفكر مصطفى الفقي. فالكاريزما سحرٌ حين تولد، وكارثةٌ حين تحكم.
هي خمر الشعوب، تسكر بها الجماهير وتغفر بها كل خطيئة.
لكنها الخمر التي تُفقِد الوعي، وتحوّل الأمة إلى قطيعٍ من المصفّقين.
أما “الزعيم اللامع”، فهو مثل راكب الدراجة في منحدر، إن توقّف لحظة سقط، وإن واصل الركوب بجنون سقط أيضًا.
والمشكلة أن هؤلاء الراكبين لا يعرفون الطريق ولا الوجهة، بل يتسابقون على “السرعة”، لأن البطء يعني النهاية، والنهاية تعني انكشاف الفراغ.
إننا في زمنٍ تحوّلت فيه الزعامة إلى سلعة، والقيادة إلى إعلان، والسياسي إلى ممثلٍ ببدلة فاخرة يتقن لغة الكاميرا لا لغة الشعب.
يُقيم مؤتمرات عن التنمية وهو لا يُنمي إلا حسابه البنكي، ويتحدّث عن “الأمة” وهو لا يرى أبعد من كرسيه،
ويُعلن “النهضة” وهو لا يعرف من النهضة إلا ديكورها.
هؤلاء لا يصنعون وطنًا، بل يُتاجرون بفكرته.
ولا يرفعون رايةً، بل يبيعونها لمن يدفع أكثر.
لقد انتهى عصر الزعامات الملهمة، وبدأ عصر الزعامات المصنعة..
زعامات تُنتجها غرف العلاقات العامة لا رحم الأمة..
زعامات تُنفق عليها الشركات لا الشعوب..
زعاماتٌ تلمع سريعًا... ثم تنطفئ أسرع.
فمن أراد أن يكون زعيمًا اليوم، فليبدأ لا من المنصة، بل من الضمير.
وليعلم أن القيادة ليست لقبًا، بل مسؤولية تحرق من يحملها إن لم يكن من معدنٍ نادر.
نعم، نحن في زمن الباحثين عن زعامات سياسية رخيصة...
لكن الشعوب -مهما خُدعت مؤقتًا- تملك ذاكرة لا تموت،
وحين تستيقظ، تكتشف أن الزعيم الحقيقي لم يكن على الشاشات، بل في ضميرها هي، في وعيها، في قدرتها على أن تقول: كفى تزييفًا، كفى بيعًا للوطن تحت لافتة المجد الشخصي.
ذلك هو الخلاص، وذلك هو فجر الزعامة الحقيقية...
التي لا تُشترى ولا تُباع.

شارك هذا الخبر