أثير- محمد الدغيشي
بين مواطن بسيط قد يقنعه أحدهم باستخدام بطاقته البنكية “لخدمة عابرة” وباستخدام العاطفة يتم قبول ذلك، وشركة تلتزم الصمت أمام معاملة مشبوهة، وصولا إلى محافظ رقمية مجهولة الهوية تتنقل عبرها الأموال في الخفاء؛ تتعدد صور جريمة واحدة يحاربها القانون العماني منذ أكثر من ثلاثة عقود “جريمة غسل الأموال”، حفاظا على بنية الاقتصاد الوطني. فكيف تطورت أدوات المواجهة القانونية في السلطنة، وأين تكمن أبرز الثغرات التي ما زال المجتمع يجهل خطورتها؟
فخ “حسن النية”: عندما تتحول المساعدة إلى جريمة
كثيراً ما يقع المواطن في فخ لا يتوقعه، حين يطلب منه شخص ما استخدام بطاقته الشخصية أو البنكية لتحويل مبلغ مالي عبر إحدى محلات الصرافة، بحجة نسيان بطاقته الخاصة. هذا التصرف “البريء” في ظاهره والذي يستدعي تدخل العاطفة قد يوقع صاحبه في مساءلة جزائية حقيقية، وبحسب ما أوضحه المحامي صلاح بن خليفة المقبالي في وقت سابق، فقد بيّن أن التحويل عبر بطاقة الغير قد يستخدم أحيانا كوسيلة للتهرب من المسؤولية الجزائية، خصوصًا حينما تكون الأموال المحوّلة متحصلة من نشاط غير مشروع كالاحتيال أو النصب او الاتجار بالبشر أو غيرها من تجارة الممنوعات.
والأخطر من ذلك أن المسؤولية الجزائية تقع على حامل البطاقة نفسه، لأن التحويل عندها يتم باسمه وهو ليس بريء من المسائلة حينها، ما لم يستطع إثبات العكس؛ بل إن العلم بمصدر الأموال ليس دائما شرطًا كافيا لنفي المساءلة. وهنا تحديدا تبرز أهمية المادة (6) من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (30/2016)، التي توسع دائرة المسؤولية لتشمل من “كان عليه أن يعلم” بأن الأموال عائدات جريمة، وليس فقط من علم فعلا بذلك.
وفي المقابل، يحذر القانون من ظاهرة اجتماعية موازية، هي التسرع في اتهام الآخرين بغسل الأموال بمجرد ملاحظة تغير مفاجئ في وضعهم المادي، كشراء سيارة فارهة أو عقار مرتفع الثمن. فمثل هذا الاتهام العشوائي، دون تحقق أو دليل، قد يدخل صاحبه في دائرة جريمة أخرى لا تقل خطورة، هي جريمة القذف بموجب قانون الجزاء الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (7/2018)، خصوصا أن تغير الذمة المالية قد يكون ناتجا عن أسباب مشروعة تماما كالإرث أو الهبة أو غيرها من الطرق القانونية.
كيف طور المشرّع العُماني أدواته لمواجهة الجريمة؟
لم يكن التشريع العُماني في مواجهة هذه الجريمة وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تراكم تشريعي بدأ منذ انضمام السلطنة عام 1991 إلى اتفاقية فيينا الدولية لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات، ثم تبلور محليا عبر قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية لعام 1999، الذي خصص فصلا كاملا لجريمة غسل الأموال لكنه ظل محصورا في عائدات جرائم المخدرات فقط.
ومع تطور أساليب الجريمة، أصدرت السلطنة قانونا خاصا بمكافحة غسل الأموال عام 2002، ثم جرة تطويره ليصدر بمرسوم سلطاني عام 2010، قبل أن يصل التطور التشريعي إلى ذروته بصدور القانون الشامل رقم (30/2016)، الذي وسع مفهوم “الأموال غير المشروعة” ليشمل عائدات أي جريمة ذات مردود مادي. كما أنشأ هذا القانون اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والمركز الوطني للمعلومات المالية، إضافة إلى تخصيص نسبة 30% من الأموال المصادرة لتطوير أنظمة المكافحة ذاتها.
وتعكس أرقام الادعاء العام هذا التوسع في ملاحقة الجريمة؛ إذ ارتفع عدد القضايا المسجلة بمخالفة قانون مكافحة غسل الأموال من 46 قضية عام 2022 إلى 55 قضية عام 2023، أي بزيادة نسبتها 20%، ضمن إجمالي تجاوز 219 قضية فساد سجلت خلال العام نفسه.
صرح سعادة نصر بن خميس الصواعي المدّعي العام للادعاء العام في فبراير الماضي، أن إجماليُّ عدد القضايا المتعلّقة بالأموال العامة وغسل الأموال للعام الماضي بلغ 192 جريمة، منها 33 جناية و 159 جنحة، فيما بلغ عدد جنح الشيكات والاحتيال (جريمة أصلية لجريمة غسل الأموال) 132 جريمة.
العملات الرقمية: الثغرة “الجديدة” التي يراقبها القانون
مع دخول العالم الرقمي، برز نمط جديد من جرائم غسل الأموال يتمثل في تداول العملات المشفرة عبر تقنية “البلوك تشين”، التي توفر سرية شبه تامة حول هوية المتداولين ومصدر الأموال، وهو ما يصعب على الجهات الرقابية تتبع حركة الأموال غير المشروعة.
وقد واجه المشرع العُماني هذا التحدي عبر تعريف فضفاض للأموال في المادة (1) من قانون مكافحة غسل الأموال، شمل صراحة الأصول الإلكترونية والرقمية أيا كان شكلها. كما اتخذت السلطنة، كغيرها من الدول، موقفا واضحا برفض اعتبار العملات المشفرة نقدا معترفا به، إلى جانب عدم تنظيمها كوسيلة دفع.
لم يكتف القانون بذلك فحسب، بل فصّل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات بشأن ما أسماه بـ “التعدي على وسيلة الدفع الإلكترونية، بما فيها التزوير أو الاستيلاء على بيانات دون وجه حق وقدمها للغير أو لنفسه. غير أن التحدي العملي الأكبر يبقى في الإثبات؛ فالركن المادي يتطلب وسيلة معروفة يمكن مراقبتها، بينما يصعب إثبات الركن المعنوي “القصد الجنائي” لمجرد الاشتراك في منصات تداول رقمية، وهو ما دفع تجارب عربية في بعض الدول المجاورة، عبر إدارة التفتيش البنكي، إلى تطوير آليات رقابية متخصصة لتحليل حركة العملات المشفرة.
الشركات والمؤسسات: هل يُعاقب “الصمت” أيضا؟
بعيداً عن الأفراد، أقر المشرع العُماني مسؤولية جزائية مستقلة للأشخاص الاعتبارية من (شركات ومؤسسات وجمعيات) عن جرائم غسل الأموال، وهي مسؤولية أكدتها المادة (21) من قانون الجزاء رقم (7/2018) أيضا. وتفرض المواد من 33 إلى 50 من قانون مكافحة غسل الأموال التزامات دقيقة على هذه الكيانات، أبرزها التحقق من هوية العميل الحقيقية قبل تقديم أي خدمة مصرفية، والاحتفاظ بالمستندات والسجلات المتعلقة به لمدة عشر سنوات كاملة تحسبا لطلبها من السلطات المختصة.
والأهم من ذلك، أن القانون العُماني استثنى هذه المؤسسات من الالتزام بالسرية المهنية والمصرفية حين يتعلق الأمر بمعاملة يشتبه في كونها مرتبطة بغسل أموال، إذ يقع عليها التزام صريح بالإبلاغ عنها، وإلا اعتبرت مرتكبة لجريمة الامتناع عن الإبلاغ. ومع ذلك، فإن الفقه القانوني يميز بوضوح بين إخلال المؤسسة بالتزاماتها المهنية، وهو سلوك سلبي لا يُعد بذاته مساعدة في جريمة غسل الأموال التي تتطلب فعلا إيجابيا وبين علمها الفعلي بوقوع الجريمة وتسترها عليه، وهو ما يستوجب مساءلة أشد.
الكلفة الخفية: “الأموال القذرة” تهدد الاقتصاد والمجتمع
تمر جريمة غسل الأموال، بحسب الأدبيات القانونية، بثلاث مراحل متتالية: تبدأ بمرحلة “الإيداع”، حيث تجزأ المبالغ الكبيرة إلى مبالغ صغيرة وتودع عبر حسابات متعددة لتفادي الشبهة، تليها مرحلة “التمويه” عبر تحويلات متكررة داخلية وخارجية لكي تعقد بدورها تتبع مصدر الأموال، لتنتهي بمرحلة “الإدماج” التي تختلط فيها الأموال غير المشروعة بأخرى مشروعة، فيصعب تمييزها تماما.
ولا تقتصر خطورة هذه العملية على الجانب القانوني، بل تمتد إلى بنية الاقتصاد الوطني نفسه؛ إذ تسهم في نقل التضخم إلى الأسواق المحلية، ورفع أسعار العقارات والسلع بشكل مصطنع، والإضرار بالمنافسة العادلة بين الأنشطة التجارية، فضلا عن انتشار ما يعرف بـ“تجارة التستر” التي تضعف النمو الاقتصادي الحقيقي للبلاد. أما اجتماعيا، فتترك هذه الجريمة أثرا أعمق يتمثل في تفشي الفساد الوظيفي والرشوة، وتشويه منظومة القيم، وتراجع مستويات الأجور والمعيشة لدى شرائح واسعة من العاملين.
ورغم أن إحصائيات السلطنة تشير إلى محدودية نسبية لهذا النوع من الجرائم مقارنة بجرائم أخرى، فإن استمرار الجهات المختصة في تطوير أدوات الرقابة التقنية على الحركة المالية، محليا ودوليا، يبقى خط الدفاع الأول لحماية الاقتصاد الوطني من هذا التهديد المتجدد.




