رصد- أثير
جادلت دورية ناشيونال إنترست الأمريكية في مقال مطول لها “رصدته أثير” بأن الرئيس دونالد ترامب يميل أكثر إلى النظر للولايات المتحدة كقوة قارية بدلاً من كونها قوة بحرية، فعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة لا تزال القوة البحرية الأبرز في العالم، رغم تراجع قدرات بناء السفن لديها، إلا أن حربها على إيران شكلت مسماراً في نعش هذه القوة البحرية.
وهم القوة البحرية الأمريكية
في كتابه “دول القوة البحرية” الصادر عام 2018، جادل المؤرخ البحري البريطاني أندرو لامبرت بشكل مقنع بأن الولايات المتحدة الأمريكية ليست حقاً “دولة قوة بحرية” رغم قدراتها البحرية المثيرة للإعجاب. من وجهة نظر لامبرت، يتطلب الأمر أكثر بكثير من مجرد امتلاك ساحل أو قوة بحرية لتصبح “دولة قوة بحرية”. يُميز لامبرت بين تعريف الاستراتيجي البحري الأمريكي ألفريد ماهان لـ “القوة البحرية” والذي يشمل الأصول البحرية التي تنشرها القوى البرية، وبين أن تكون الدولة حقاً “دولة قوة بحرية”. ويُعرّف لامبرت الأخيرة بأنها تمتلك استراتيجية مقصودة لإعطاء الأولوية للتجارة والتبادل التجاري عبر البحر، والانخراط في حروب بحرية بامتياز، واعتماد دبلوماسية التحوط الاستراتيجي لحماية تلك التجارة من القوى الطامحة للهيمنة البرية، فضلاً عن خلق مجتمعات عالمية (كوزموبوليتانية) فريدة ومؤسسات سياسية تشاركية للحفاظ على هوية القوة البحرية هذه.
يجادل لامبرت بأنه رغم قوة أمريكا البحرية التي لا يمكن إنكارها ومؤسساتها الجمهورية، فإنها في نهاية المطاف ليست قوة بحرية بل قوة برية قارية: إمبراطورية امتدت بالقوة عبر مساحات يابسة شاسعة، لا تختلف في ذلك عن روسيا، وبلاد فارس القديمة، والإمبراطورية الرومانية، وفرنسا النابليونية. فامتلاك بحرية قوية لا يغير من هذه الحقيقة.
الترامبية: العودة للهيمنة القارية
بالنظر إلى هذا الأمر، ربما يكون من الأفضل فهم “الترامبية” على أنها إعادة تأكيد قوية لهوية أمريكا الحقيقية كقوة برية قارية بعد عقود طويلة من لعب دور القوة البحرية الذي لا يناسبها. واعتبرت ناشيونال إنترست بأنه يمكن النظر إلى سياسات الرئيس دونالد ترامب الخارجية، والتجارية، وحتى سياسات الهجرة، على أنها إعادة احتضان للقوة البرية وانقلاب على القوة البحرية. ومثل نابليون من قبله، يبدو الرئيس ترامب أقل اهتماماً بشؤون الأراضي الواقعة عبر المحيط مقارنة باحتمالات الغزو العسكري لجيران أمريكا في القارة، سواء كان ذلك في كوبا، أو فنزويلا، أو كندا، أو جرينلاند.
إن مسعاه لا يتمثل في حماية شبكات التجارة البحرية، بل في السعي نحو تحقيق الهيمنة القارية. حتى نقاط الاختناق البحرية التي تثير اهتمامه أكثر من غيرها، مثل قناة بنما، تتعلق في نهاية المطاف بالربط القاري. في المقابل، فإن الدور الأمريكي التقليدي المتمثل في حماية حرية الملاحة في المحيطات كـ “منفعة عامة عالمية” هو دور تتراجع عنه هذه الإدارة.
في الواقع، لطالما كانت خيبة أمل إدارة ترامب تجاه دور أمريكا في حماية الممرات البحرية العالمية واضحة لبعض الوقت. في عام 2025، ومع بدء التدخل أمريكي ضد الحوثيين في اليمن، طرح نائب الرئيس جيه دي فانس تساؤلات كاشفة حول حكمة مثل هذا التدخل في دردشة جماعية مسربة لصناع السياسات في الإدارة. حيث، تساءل فانس كيف يخدم إبقاء البحر الأحمر مفتوحاً للتجارة المصلحة الأمريكية، حيث كتب: “أنا فقط أكره إنقاذ أوروبا مرة أخرى”. لقد طرح سؤالاً وجيهاً: لماذا تدافع الولايات المتحدة عن الممرات البحرية التي يستخدمها الأوروبيون لاستيراد البضائع الرخيصة من الصين؟
إذ تستفيد دول القوة البحرية الحقيقية من تجارتها البحرية وسيطرتها على الممرات البحرية. يمكن النظر إلى “الترامبية” كتعبير عن الشك في انطباق ذلك على أمريكا.
وإلى الحد الذي كان فيه صعود ترامب السياسي مدفوعاً بالغضب من الحروب الخارجية ونقل الوظائف إلى الخارج، يمكن النظر إلى “الترامبية” على أنها الإدراك المتنامي بأن أمريكا لم تستفد من دورها كحامٍ عالمي للممرات البحرية. وبدلاً من ذلك، استُخدمت أموال دافعي الضرائب الأمريكيين للدفاع عن سفن الشحن ذاتها التي تنقل السلع المصنعة الأرخص ثمناً والتي ضربت المعقل الصناعي لأمريكا في مقتل. بهذا المعنى، فإن أمريكا بتصرفها كدولة قوة بحرية، قد قوضت الأسس القارية البرية لقوتها وازدهارها.
مضيق هرمز والاستغناء عن الخارج
إذن، فإن “الترامبية” بحسب ناشيونال إنترست، هي احتضان للهيمنة القارية الأمريكية على حساب ما يقع وراء المحيطات. هذا هو الخيط الذي يربط بين غريزة ترامب للأسواق المغلقة، وغزو الجيران، ورفض تحمل مسؤولية حماية الممرات البحرية العالمية. لا عجب إذن ألا تكترث إدارة ترامب بإنفاق الدماء والأموال لإعادة فتح مضيق هرمز. ففي وقت مبكر من عام 1988، كان المواطن العادي دونالد ترامب يكتب مقالات لاذعة ضد الوجود البحري الأمريكي في الخليج العربي خلال الحرب الإيرانية العراقية، مشتكياً بقوله: “نحن ندافع عن الخليج العربي، وهو منطقة ذات أهمية هامشية فقط للولايات المتحدة فيما يتعلق بإمداداتها النفطية، ولكنها منطقة تعتمد عليها اليابان وغيرها بشكل شبه كامل”.
إن كارثة هرمز تؤكد في الواقع المعتقدات السابقة لترامب. يمكن للولايات المتحدة أن تكتفي بنفطها القاري، سواء كان من تكساس، أو حقول الصخر الزيتي الكندية (يقع الكثير منها في ألبرتا، والتي قد تكون هدفاً مستقبلياً لطموحات ترامب التوسعية)، أو فنزويلا، حتى لو ارتفعت أسعار الطاقة الأمريكية أيضاً بسبب ارتباطها بالسوق العالمية.
إن الأوروبيين وشرق الآسيويين هم من يحتاجون حقاً إلى إبقاء هرمز والسويس مفتوحين. وكما أن أثينا القديمة لم تكن تستطع إطعام سكانها المتزايدين إلا من خلال استيراد الحبوب من البحر الأسود، مما استلزم وجود بحرية قوية قادرة على الدفاع عن هذه التجارة، فإن أوروبا وشرق آسيا اليوم هما الأكثر اعتماداً على التدفق الحر للنفط والغاز من الخليج عبر البحر. ومن هنا جاء إحباط ترامب من رفض الدول الأوروبية، مثل المملكة المتحدة، مساعدته في إعادة فتح مضيق هرمز، على الرغم من إحباطهم الكبير والمفهوم أيضاً من تورط قوة برية بعيدة في حرب تهدد شرايين حياتهم البحرية لأمن الطاقة.
استعراض القوة البحرية لأهداف قارية
على الرغم من الإذلال الأمريكي في هرمز، لا يزال ترامب يقود البحرية الأكثر مهابة في العالم بحسب الدورية. وحتى في الوقت الذي يتهرب فيه من فتح الممرات البحرية في الشرق الأوسط، لمعرفته بأن عملية كهذه من المرجح أن تُكبد الولايات المتحدة خسائر بشرية مُضرة سياسياً، وجد ترامب أنه من السهل استعراض القوة البحرية سعياً لتحقيق هيمنته القارية. إن الولايات المتحدة تخنق كوبا ببطء حتى الموت بحصار بحري غير مسبوق. وفي الوقت نفسه، فإن العمليات العسكرية الأمريكية في فنزويلا والتي أمنت النفط الخام القاري للمصافي الأمريكية على ساحل الخليج انطلقت من البحر وعادت إليه.
ومع ذلك، لم تعد هذه القوة البحرية تُستخدم لإبقاء المحيطات مفتوحة للتجارة للجميع. ففي عهد ترامب، تُستخدم القوة البحرية الأمريكية لأغراض إمبراطورية ضيقة تتمثل في بناء إمبراطورية قارية. في هذا الصدد، أصبحت أمريكا مثل الرومان: قوة برية تنشر قوة بحرية لتحقيق هيمنة قارية. لقد أصبح خليج المكسيك هو “البحر الأمريكي” الجديد بحيث يمكن تسميته “خليج أمريكا”، في حين أصبح الخليج العربي يبدو بعيداً بشكل متزايد عن متناول أمريكا.





