رصد - أثير
إعداد: ريما الشيخ
مع تعذر الوصول إلى تيك توك لدى عدد من المستخدمين، اتجه كثيرون إلى حل سريع بدا في ظاهره بسيطًا: تحميل تطبيق VPN والعودة إلى المنصة كأن شيئًا لم يحدث, فبضغطة واحدة، يتغير موقع الاتصال، وتفتح التطبيقات المحجوبة أو المتعذرة، ويشعر المستخدم أن المشكلة انتهت.
لكن السؤال الأهم: هل يعرف المستخدم ماذا أعطى لهذا التطبيق مقابل فتح منصة واحدة؟ وهل يدرك أن بعض تطبيقات الـVPN، خصوصًا المجانية أو المجهولة، قد ترى من هاتفه أكثر مما يتوقع؟
الـVPN، أو الشبكة الافتراضية الخاصة، ليس خطرًا في ذاته، فهو يستخدم في الشركات والمؤسسات لتأمين الاتصال عن بُعد، وحماية البيانات عند الدخول إلى أنظمة العمل، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول إلى تطبيق عشوائي يحمل من المتجر أو من رابط مجهول فقط من أجل تجاوز حظر أو فتح تطبيق، دون معرفة الجهة التي تديره أو نوع البيانات التي يجمعها أو الصلاحيات التي يطلبها.
كيف يعمل VPN؟
يعمل الـVPN كوسيط بين هاتف المستخدم والإنترنت، فبدل أن يتصل الهاتف بالموقع أو التطبيق مباشرة، يمر الاتصال عبر خادم تابع لشركة الـVPN، وهذا يعني أن المستخدم لا يخفي نشاطه بالكامل كما يعتقد بعضهم، بل ينقل جزءًا من الثقة إلى جهة أخرى قد تعرف بيانات عن الاتصال أو الجهاز أو المواقع والتطبيقات المستخدمة، بحسب سياسة التطبيق وطريقة عمله.
لذلك، لا يصح التعامل مع الـVPN كزر سحري للفتح فقط، فهو باب جديد يمر منه الاتصال، ومن يدير هذا الباب قد يستطيع تسجيل معلومات عن المستخدم أو تحليل نشاطه أو مشاركة بياناته مع أطراف أخرى، خصوصًا إذا كان التطبيق مجانيًا أو مجهول المصدر أو لا يملك سياسة خصوصية واضحة.
المجاني ليس دائمًا مجانيًا
تطبيقات VPN المجانية تجذب كثيرًا من المستخدمين لأنها لا تطلب اشتراكًا شهريًا، لكن المجاني لا يعني دائمًا أنه بلا مقابل، فإذا لم يكن المستخدم يدفع المال، فقد يكون المقابل بياناته أو خصوصيته أو أمان جهازه.
بعض التطبيقات المجانية تعتمد على الإعلانات، وبعضها قد يجمع معلومات عن الجهاز، أو أوقات الاتصال، أو التطبيقات المستخدمة، أو بيانات تقنية يمكن استثمارها تجاريًا، وفي حالات أخطر، قد تُستخدم بعض الخدمات المجهولة في تمرير اتصال المستخدم ضمن شبكات أخرى، أو تحويل جهازه إلى جزء من شبكة لا يعرف كيف تُستعمل.
وهنا يصبح السؤال مهمًا: هل يستحق فتح تطبيق واحد أن يسلّم المستخدم حركة اتصاله لتطبيق لا يعرف من يديره ولا أين تذهب بياناته؟
ماذا يمكن أن يحدث للهاتف؟
الخطر لا يقتصر على الخصوصية فقط، بل قد يصل إلى الهاتف نفسه، فبعض التطبيقات المجهولة أو المحملة من خارج المتاجر الرسمية قد تحتوي على برمجيات خبيثة، أو أكواد تتبع، أو صلاحيات مبالغ فيها، وقد تطلب الوصول إلى الموقع أو الإشعارات أو العمل الدائم في الخلفية، رغم أن المستخدم لا يعرف سبب الحاجة إلى هذه الصلاحيات.
وقد يلاحظ بعض المستخدمين بطئًا في الاتصال، أو استهلاكًا أعلى للبطارية والبيانات، أو ارتفاع حرارة الهاتف، أو ظهور إعلانات مزعجة، أو فتح صفحات غير مرغوبة، هذه المؤشرات لا تعني دائمًا وجود اختراق، لكنها قد تدل على أن التطبيق غير آمن أو يعمل بطريقة مرهقة للجهاز.
وتزداد الخطورة عندما يثبت المستخدم تطبيقًا من رابط عشوائي أو إعلان في منصة تواصل، لأن بعض الروابط قد تقوده إلى تطبيقات مزيفة أو ملفات ضارة تستهدف كلمات المرور أو الحسابات أو البيانات المخزنة في الهاتف.
هل يحمي الـVPN المستخدم دائمًا؟
يعتقد بعض الناس أن تشغيل VPN يعني أنهم أصبحوا مجهولين تمامًا على الإنترنت، وهذا غير صحيح، فالـVPN قد يخفي عنوان الاتصال عن بعض المواقع، وقد يضيف طبقة حماية في بعض الحالات، لكنه لا يحمي المستخدم إذا ضغط على رابط احتيالي، أو أدخل بياناته في موقع مزيف، أو استخدم تطبيقًا يجمع بياناته من الداخل.
كما أن استخدام VPN لا يعني أن المستخدم خارج المسؤولية القانونية، فإذا استُخدم للوصول إلى محتوى مخالف، أو ارتكاب إساءة، أو نشر شائعات، أو تنفيذ ممارسات مخالفة، فإن تغيير مسار الاتصال لا يجعل الفعل مباحًا.
الخطر الأكبر على الأطفال والمراهقين
بعد تعذر الوصول إلى منصة مثل تيك توك، قد يبحث بعض الأطفال والمراهقين فورًا عن طريقة بديلة، وهنا تظهر خطورة تحميل VPN من إعلان عابر أو رابط في التعليقات أو مقطع يشرح “طريقة الفتح”.
فالطفل أو المراهق قد لا يقرأ سياسة الخصوصية، ولا ينتبه للصلاحيات، ولا يميز بين تطبيق موثوق وآخر مزيف، وقد يمنح التطبيق أذونات واسعة فقط لأنه يريد العودة إلى منصة ترفيهية، وبهذا تتحول محاولة فتح تطبيق واحد إلى بوابة لمخاطر أكبر: تتبع، روابط مشبوهة، إعلانات غير مناسبة، أو وصول إلى محتوى لم يكن متاحًا له أصلًا.
متى يكون الـVPN مقبولًا؟
ليست المشكلة في تقنية الـVPN نفسها، بل في طريقة استخدامها ومصدرها، فقد يكون أداة نافعة عندما يصدر من جهة موثوقة، أو يستخدم في العمل، أو يكون معتمدًا من مؤسسة، أو يملك سياسة خصوصية واضحة، ولا يطلب صلاحيات غريبة، ويتم تحديثه بانتظام.
أما استخدام تطبيق مجهول فقط لتجاوز حظر أو فتح منصة، فهذا يختلف عن الاستخدام الآمن والمنظم، فهنا لا يعرف المستخدم من يدير الخادم، ولا أين تذهب البيانات، ولا ماذا يسجل التطبيق، ولا هل يحتفظ بالمعلومات أو يشاركها.
كيف تحمي نفسك؟
أول خطوة هي عدم تحميل VPN من رابط عشوائي أو إعلان في منصة تواصل، وإذا كان لا بد من استخدامه، فليكن من جهة معروفة، ومن المتاجر الرسمية فقط، مع قراءة الصلاحيات قبل الموافقة.
ويجب تجنب التطبيقات التي تطلب أذونات لا علاقة لها بوظيفتها، مثل الوصول إلى الصور أو جهات الاتصال أو الميكروفون دون سبب واضح، كما يفضل حذف أي تطبيق لا يُستخدم، وتحديث نظام الهاتف، وتفعيل المصادقة الثنائية للحسابات المهمة، وعدم إدخال كلمات المرور أو بيانات البطاقات أثناء استخدام VPN مجهول.
ليست كل الطرق المختصرة آمنة
قد يبدو استخدام VPN بعد تعذر الوصول إلى تيك توك حلًا سريعًا، لكنه قد يفتح بابًا أكبر من المشكلة نفسها، فالمستخدم الذي يريد مشاهدة مقاطع قصيرة قد يمنح تطبيقًا مجهولًا حق المرور على اتصاله وبياناته، وربما يعرّض هاتفه للبطء أو التتبع أو البرمجيات الخبيثة.
في النهاية، ليست كل طريقة مختصرة آمنة، فالمنصات قد تتغير، والقرارات قد تتبدل، لكن البيانات إذا تسربت، والحسابات إذا اخترقت، والهاتف إذا تضرر، فقد تكون الخسارة أكبر بكثير من مجرد عدم القدرة على فتح تطبيق.
المصادر:
- هيئة تنظيم الاتصالات في سلطنة عُمان
- المركز الوطني للسلامة المعلوماتية في سلطنة عُمان
- وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات
- قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات العُماني
- منظمة التعاون الرقمي
- الاتحاد الدولي للاتصالات
- وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني
- المركز الوطني للأمن السيبراني البريطاني
- وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية
- لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية
- مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي






