من جذب المال إلى صناعة القيمة: كيف تعيد عُمان هندسة الاستثمار الأجنبي؟

عن الكاتب

محمد العريمي
محمد العريمي

محرر وكاتب صحفي

من جذب المال إلى صناعة القيمة: كيف تعيد عُمان هندسة الاستثمار الأجنبي؟
الاستثمار الأجنبي
أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
في الاقتصاد، لا تحكي ”الأرقام المليارية“ القصة كاملة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالاستثمار الأجنبي، فارتفاع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في سلطنة عُمان بنسبة 8.7% بنهاية الربع الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليتجاوز 32 مليارًا و197 مليون ريال عُماني، يطرح سؤالًا أهم من الرقم نفسه: ماذا صنعت هذه الاستثمارات في الاقتصاد؟
عند تتبع مسار الاستثمار الأجنبي في عُمان منذ 2019، تظهر قصة تتجاوز نمو الأرقام؛ قصة انتقال تدريجي من فتح الباب أمام رأس المال الأجنبي إلى بناء منظومة تسأل عن نوعية الاستثمار وأثره، لا عن حجمه فقط.
ولا يتعلق قرار المستثمر بالتشريعات وحدها؛ فالموقع الجغرافي لسلطنة عُمان، وما توفره من موانئ ومناطق اقتصادية وحرة، يمنحها ميزة إضافية في استقطاب المشروعات المرتبطة بالصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية.

2019 فتح الباب

كان صدور قانون استثمار رأس المال الأجنبي بالمرسوم السلطاني رقم 50/2019 نقطة تحول رئيسة في البيئة الاستثمارية، إذ أتاح الملكية الأجنبية بنسبة تصل إلى 100%، وألغى شرط الحد الأدنى لرأس المال، ومنح المشروعات الأجنبية مزايا وحوافز وضمانات مماثلة للمشروعات الوطنية وفق القوانين المعمول بها.
ومع اتساع قاعدة الأنشطة المتاحة للمستثمرين وتبسيط إجراءات التأسيس، بدأت مرحلة يمكن وصفها بـ ”هندسة الجاذبية“، أي إزالة العوائق التي قد تدفع المستثمر إلى اختيار سوق أخرى، لكن جذب المستثمر كان نصف المعادلة فقط، فالمنافسة لا تنتهي عند لحظة دخوله السوق.
ولم يتوقف الانفتاح عند الملكية الأجنبية؛ إذ أصبح بإمكان المستثمر الأجنبي تأسيس مختلف أنواع الشركات وممارسة أكثر من 1700 نشاط تجاري وصناعي عبر منصة عُمان للأعمال، مع إلغاء شرط الحد الأدنى لرأس المال، إلى جانب تخصيص الأراضي والعقارات اللازمة للمشروعات الاستثمارية، وتقديم حوافز وتسهيلات تستهدف استقطاب المشروعات التي ترفد الاقتصاد الوطني.

من جذب المستثمر إلى خدمته

في فبراير 2023، افتتحت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار صالة ”استثمر في عُمان“، لتكون نافذة موحدة لخدمات المستثمرين والفرص الاستثمارية التي تتجاوز قيمتها مليون ريال عُماني.
وجمعت الصالة 14 جهة حكومية و6 جهات خاصة تحت مظلة واحدة، بهدف اختصار رحلة المستثمر، وتسهيل إجراءات تأسيس المشروع وتشغيله، ومتابعة التحديات التي قد تعترضه.
وتكامل ذلك مع البرنامج الوطني للاستثمار وتنمية الصادرات ”نزدهر“، الذي طور أدوات مثل فريق التفاوض الوطني، ودليل الحوافز الاستثمارية، والمسار السريع، والخارطة الاستثمارية، والاستراتيجية الوطنية للاستثمار.
وهكذا بدأت عُمان تنتقل من مجرد الترويج للفرص إلى إدارة رحلة المستثمر، من لحظة اهتمامه وحتى تنفيذ مشروعه.
ولم يقتصر هذا التحول على وجود نافذة موحدة، بل امتد إلى رقمنة رحلة المستثمر نفسها، من تأسيس الشركات والحصول على التراخيص إلى إنجاز عدد من المعاملات إلكترونيًا عبر منصة عُمان للأعمال، لتصبح سهولة الوصول إلى الخدمات جزءًا من تجربة المستثمر منذ تأسيس المشروع وحتى تشغيله.
واتسعت الحزم المقدمة لتشمل تخفيض وإلغاء ودمج 836 خدمة حكومية، إلى جانب حوافز ضريبية وجمركية في بعض الحالات، وإطلاق برنامج إقامة مستثمر يتيح للمستثمرين وأفراد أسرهم الإقامة لفترات تتراوح بين 5 و10 سنوات قابلة للتمديد، بما يعزز قدرة السلطنة على المنافسة في استقطاب الاستثمارات طويلة الأجل.

الأرقام ترتفع والسؤال يتغير

حتى نهاية الربع الثالث من 2023، تجاوز حجم الاستثمار الأجنبي المباشر 25 مليار ريال عُماني، بزيادة 4.8 مليار ريال مقارنة بالفترة نفسها من 2022.
وفي الربع الأول من 2024، ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 19.3% على أساس سنوي، ليبلغ 25.38 مليار ريال، مقابل 21.27 مليار ريال في الفترة نفسها من 2023.
وبلغ الاستثمار الأجنبي المباشر في الصناعة التحويلية 1.4 مليار ريال حتى الربع الثالث من 2023، فيما استقطب القطاع 35 مشروعًا صناعيًا بأكثر من 800 مليون ريال، وهنا يتغير السؤال من ”كم استثمارًا جذبنا؟" إلى ”أين ذهب هذا الاستثمار؟"

2024 بداية الفرز

مع اتساع الاستثمار الأجنبي، ظهرت الحاجة إلى تحقيق توازن أكثر دقة بين جذب رأس المال وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة العُمانية.
في مايو 2024، بدأ تطبيق قرار يقضي بتخفيض رسوم السجل التجاري للمستثمر الأجنبي ومعاملته معاملة المستثمر العُماني، مقابل إلزامه بتوظيف موظف عُماني واحد على الأقل، إلى جانب تقديم حوافز وتسهيلات للمشروعات التي ترفد الاقتصاد الوطني.
وفي الوقت نفسه، قيّمت الوزارة شركات الاستثمار الأجنبي للتأكد من التزامها بالضوابط، وسجلت 2039 شركة غير ملتزمة بشرط التوظيف العُماني بعد مرور عام على تأسيسها، ما استدعى إجراءات لتصحيح أوضاعها.

عندما يصبح الانفتاح انتقائيًا

لم يكن التوسع في جذب الاستثمار منفصلًا عن متابعة التزام الشركات؛ إذ قيّمت الوزارة شركات الاستثمار الأجنبي في مختلف المحافظات للتأكد من التزامها بالضوابط، وبلغ عدد الشركات التي لم تلتزم بتعيين موظف عُماني بعد مرور عام على تأسيسها 2039 سجلًا تجاريًا، ما دفع الوزارة إلى وضع التزام إداري عليها إلى حين تصحيح أوضاعها.
وفي سبتمبر 2024، أضاف القرار الوزاري رقم 435/2024 عددًا من الأنشطة إلى قائمة الأنشطة المحظور على المستثمر الأجنبي مزاولتها، ليرتفع إجماليها إلى 123 نشاطًا مخصصًا للمستثمر العُماني، وشملت القائمة أنشطة مرتبطة بالصناعات الحرفية واللبان والبخور، إلى جانب بعض أنشطة التجزئة والخدمات.
ووفق الوزارة، جاء القرار لتحقيق توازن بين جذب الاستثمارات النوعية وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وحماية بعض الأنشطة المرتبطة بالهوية الوطنية، وهنا يظهر التحول بوضوح: الانفتاح لم يعد يعني فتح كل الأبواب، بل اختيار ما يدخل منها.

ما الاستثمار الذي تريده عُمان؟

الإجابة تظهر في طبيعة المشروعات المستهدفة: الصناعة التحويلية، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا، والمشروعات القادرة على التصدير.
فمصنع البولي سيليكون أو مشروعات تصنيع الألواح الشمسية، مثلًا، لا تضيف رأس مال فقط؛ بل تحتاج إلى موردين، وخدمات، وموانئ، ونقل، وتمويل، وعمالة، وتفتح أسواقًا للتصدير، لذلك فإن أثر الاستثمار لا يتوقف عند المشروع نفسه، بل يمتد إلى سلسلة اقتصادية كاملة حوله.

الموقع جزء من الاستثمار

المستثمر الصناعي لا يبحث عن قانون يسمح له بالدخول فقط، بل عن أرض ومرافق وخدمات لوجستية وسلاسل إمداد تساعده على تشغيل المشروع والتصدير منه.
ومن هنا تبرز أهمية المناطق الاقتصادية والحرة والموانئ في المعادلة الاستثمارية؛ فالبنية الأساسية لم تعد مجرد عنصر مساند للمشروع، بل أصبحت جزءًا من المنتج الاستثماري نفسه، خصوصًا للمشروعات الصناعية واللوجستية والتصديرية.

الضرائب؛ تكلفة الاستثمار ووضوحه

منذ 2020 أصبحت الإقرارات والسداد الضريبي إلكترونيًا، ما ساعد على خفض الوقت والتكلفة المرتبطين بالامتثال. وتشير بيانات منشورة في 2025 إلى أن الشركات المتوسطة تحتاج إلى نحو 68 ساعة سنويًا لإعداد وتقديم ودفع الضرائب.
وتبلغ ضريبة الدخل على الشركات 15% على الدخل الخاضع للضريبة، وضريبة القيمة المضافة 5%، مع حوافز وإعفاءات في المناطق الاقتصادية والحرة.
كما جاءت الأوامر السامية في يناير 2023 بإلغاء ضريبة الخصم من المنبع على توزيعات أرباح الأسهم وفوائد الصكوك والسندات للمستثمر الأجنبي، لتبعث برسالة مهمة: المستثمر لا يبحث عن الحوافز فقط، بل عن بيئة واضحة يستطيع أن يبني عليها قرارات طويلة الأجل.

قضاء يحمي الاستثمار

في 23 مارس 2025م، صدر المرسوم السلطاني رقم 35/2025 بإنشاء محكمة الاستثمار والتجارة وإصدار قانونها، وبدأ العمل بها في 1 أكتوبر من العام نفسه.
وتختص المحكمة بالمنازعات التجارية والاستثمارية، بما في ذلك المنازعات الناشئة عن عقود الاستثمار، والخلافات بين الشركاء والمساهمين، وقضايا الملكية الفكرية والمنافسة والإفلاس والمعاملات التجارية الإلكترونية وغيرها.
أهمية المحكمة لا تكمن فقط في وجود جهة قضائية متخصصة، بل في تقليل حالة عدم اليقين التي قد ترافق الاستثمارات الكبيرة. فالمستثمر الذي يضع مئات الملايين في مشروع طويل الأجل يريد أن يعرف ليس فقط كيف يدخل السوق، بل كيف تُحمى حقوقه إذا حدث خلاف.
كما أن تنظيم إجراءات الدعوى، ووضع مدد زمنية، وإنشاء مكتب لتهيئة الدعاوى، كلها خطوات تستهدف تقليل التأخير الإجرائي، فيما أُنشئت دوائر استئنافية خارج مسقط لتقريب القضاء المتخصص من النشاط الاقتصادي في المحافظات.

ماذا سيضيف الاستثمار الأجنبي؟

يمكن فهم التحول من جمع الأموال إلى صناعة الأثر؛ فنجاح الاستثمار الأجنبي لا يُقاس بما يدخل إلى عُمان فقط، بل بما يبقى فيها من صناعة ومعرفة ووظائف وصادرات وقيمة مضافة.
وعندما يتحول رأس المال إلى إنتاج، والإنتاج إلى صادرات، والمشروع إلى فرص، والقيمة المضافة إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، يصبح الاستثمار الأجنبي أكثر من أموال تدخل السوق، ويصبح جزءًا من قصة تنويع اقتصادي تحمل منتجاتها في النهاية عبارة: ”صُنع في سلطنة عُمان“.

المصادر:

  • وكالة الأنباء العُمانية
  • وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار
  • استثمر بسهولة
  • مجموعة أخبار نُشرت في ”أثير“

مصدر الصورة:

  • وكالة الأنباء العُمانية

شارك هذا الخبر