أثير - مازن المقبالي
في سوق تتعدد فيه أنواع العسل وتختلف أسعاره، فإن ما وراء حجم الإنتاج أسئلة أخرى، مثل ما الذي يمنح العسل العماني قيمته، وكيف استطاع قطاع يرتبط بمواسم الطبيعة وخبرة النحّال أن يرفع إنتاجه إلى أكثر من 934 ألف كيلوجرام؟
في عام 2025، بلغ إنتاج سلطنة عمان من العسل 934 ألفًا و443 كيلوجرامًا، مقارنة بـ765 ألفًا و54 كيلوجرامًا في 2024، بزيادة بلغت 22.1%.
المهنة تبدأ من الطبيعة
ترتبط تربية النحل في سلطنة عمان بمواسم مختلفة من العام، وتتنوع مصادر الرحيق بحسب النباتات والأشجار التي تزهر في كل موسم.
فعسل السمر أو البرم يرتبط عادة بالفترة من منتصف أبريل إلى نهاية يونيو، فيما يأتي موسم السدر في نوفمبر، والسرح في مارس، والثرمد في منتصف فبراير، إلى جانب مواسم أخرى ترتبط بالحرمل والشوع واللبان والنباتات المحلية.
وهذا يجعل معرفة النحال بالموسم ومصدر الرحيق جزءًا أساسيًا من عملية الإنتاج؛ فاختلاف مصادر الغذاء ينعكس على نوع العسل وخصائصه.
ويعد عسل البرم من الأنواع المعروفة في السلطنة، ويرتبط بتزهير أشجار السمر، خصوصًا في محافظة الظاهرة.
وتتميز أزهار السمر بصغر حجمها ورائحتها، وينعكس مصدر الرحيق على خصائص العسل؛ إذ يوصف عسل البرم برائحة السمر وقوامه الكثيف ولونه الداكن، وقد يتحول إلى لون أسود مع مرور الوقت.
مهنة بين التقليدي والحديث
عرفت سلطنة عمان تربية النحل بأساليب تقليدية تعتمد على البيئة والخبرة المتراكمة، ومن بينها استخدام جذوع النخيل المجوفة كخلايا.
وكان جمع النحل البري يحتاج إلى معرفة بسلوكه ومواقع المياه ومصادر الرحيق، فيما ارتبطت تربية النحل كذلك بطرق أكثر تنظيمًا في إدارة الخلايا ومتابعة مواسم الإنتاج.
وتشمل الخدمات المقدمة للنحالين التدريب والإرشاد الميداني، إلى جانب معدات تساعد في استخراج العسل والتغذية والتدخين وعلاج الأمراض.
الإنتاج يرتفع
تكشف أرقام الإنتاج أن قطاع العسل شهد تذبذبًا واضحًا خلال السنوات الماضية.
فقد بلغ الإنتاج 947 ألف كيلوجرامًا في 2021، ثم تراجع إلى 533 ألف كيلوجرام في 2022، قبل أن يرتفع إلى 623 ألف كيلوجرام في 2023، ثم 765 ألف كيلوجرام في 2024، ليعود الإنتاج في عام 2025م إلى 934ألف كيلوجرام ويُعد مستوى مقارب للإنتاج عام 2021م.
وبذلك ارتفع إنتاج عام 2025 بنسبة 22.1% مقارنة بعام 2024، وبنحو 49.9% مقارنة بإنتاج 2023.
وتوضح هذه الأرقام أن نمو الإنتاج في السنوات الأخيرة جاء بعد تراجع كبير، وأن الإنتاج يتأثر بعوامل مرتبطة بالمواسم والظروف المحيطة بتربية النحل.
شمال الشرقية تتصدر
توزع إنتاج العسل في 2025 على مختلف محافظات سلطنة عمان، إلا أن 4 محافظات استحوذت على النسبة الأكبر:
- شمال الشرقية 248 ألفًا و547 كيلوجرامًا
- الداخلية بـ176 ألفًا و428 كيلوجرامًا
- شمال الباطنة بـ158 ألفًا و97 كيلوجرامًا
- جنوب الشرقية بـ128 ألفًا و120 كيلوجرامًا.
وبلغ مجموع إنتاج هذه المحافظات معُا نحو 76.1% من إجمالي الإنتاج المحلي.
هل السعر معيار للجودة؟
مع تنوع أنواع العسل واختلاف أسعارها، تبقى مسألة الجودة حاضرة في السوق.
وفي مارس 2025، أظهرت دراسة للدكتور حيدر اللواتي من جامعة السلطان قابوس أن تركيزات السكريات في عينات من العسل المحلي والتجاري كانت متشابهة، بما في ذلك الجلوكوز والفركتوز والسكروز والمالتوز.
وتناولت الدراسة عينات من عسل السمر والسدر المحلي، وقارنتها بعسل تجاري، واستخدمت طريقة مخبرية سريعة ومنخفضة التكلفة لقياس السكريات.
ولا تعني هذه النتيجة أن العسل المحلي والتجاري متطابقان في جميع الخصائص، وإنما تتعلق بالسكريات التي قاستها الدراسة في العينات التي جرى تحليلها.
وفي جانب آخر، أوضحت وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه أن هناك فرقًا بين عسل الزهور وعسل التصفية، مشيرة إلى أن عسل الزهور ينتج من رحيق الأزهار، بينما قد يرتبط عسل التصفية بتغذية النحل بالسكر خارج مواسم الإزهار.
وأظهرت الفحوصات التي أشارت إليها الوزارة ارتفاعًا في نسبة السكر وانخفاضًا في إنزيم الدياستيز في عينات من عسل التصفية.
وبذلك يصبح مصدر العسل وطريقة إنتاجه والفحوصات المرتبطة به عناصر مهمة عند الحديث عن جودة المنتج.
حضور في المسابقات العالمية
لم تقتصر المشاركات العُمانية على السوق المحلية، إذ حققت منتجات من العسل العماني مراكز متقدمة في مسابقات دولية.
وفي مسابقة أبيمونديا عام 2022، حصل عسل الصمغ العربي العماني على المركز الثاني عالميًا، فيما حصل عسل اللبان العماني على المركز الثالث عالميًا.
وكانت المشاركة العمانية قد حققت المركز الثالث عالميًا في 2017، ثم المركز الثاني عالميًا في 2019.
وتخضع العينات المشاركة لفحوصات قبل المنافسة، ثم تُقيّم وفق اللون والرائحة والطعم.
وهذه النتائج تضع بعض أنواع العسل العماني في دائرة المنافسة الدولية، إلى جانب ارتباطها بمصادر نباتية محلية.
صادرات وواردات
في عام 2025، بلغت قيمة صادرات سلطنة عمان من العسل الطبيعي المصفى 648 ألفًا و274 ريالًا عمانيًا، بينما بلغت قيمة الواردات مليونين و131 ألفًا و292 ريالًا عُمانيًا.
وجاءت لبنان في مقدمة الدول المستقبلة للصادرات بقيمة 246 ألفًا و272 ريالًا، تلتها قطر بـ179 ألفًا و24 ريالًا، ثم الأردن بـ118 ألفًا و18 ريالًا، والكويت بـ55 ألفًا و247 ريالًا، والإمارات العربية المتحدة بـ36 ألفًا و406 ريالات.
ولا تعني أرقام صادرات العسل الطبيعي المصفى أن كامل العسل المصدر كان من الإنتاج المحلي، إذ إنها تعكس حركة التجارة لهذا النوع من العسل عبر السلطنة، لكنها توضح في الوقت نفسه وجود حركة تصدير إلى عدد من الأسواق الخارجية، بالتزامن مع ارتفاع الإنتاج المحلي.
آفات تهدد الخلايا
لا يخلو إنتاج العسل من تحديات مرتبطة بصحة النحل. ومن أبرزها فراشة السمسم، أو عثة الشمع الصغيرة، التي تتغذى على الشمع والمخلفات العضوية، وتلحق الضرر بالأقراص، وقد تؤثر في الحضنة وصحة النحل وإنتاجيته.
وتزداد خطورتها في الظروف الدافئة والرطبة، ولذلك تشمل طرق الوقاية تنظيف الخلايا والتخلص من الشمع القديم والمخلفات، وتحسين التهوية، وتخزين الإطارات في ظروف مناسبة، ومتابعة العلامات التي تدل على وجود الإصابة.
كما تواجه الخلايا دبية العنسب، وهي حشرة مفترسة تهاجم النحل أثناء خروجه لجمع الرحيق، وتقوم بشل النحلة وحملها إلى أعشاشها تحت الأرض.
وتنشط هذه الحشرة خلال الربيع والصيف والخريف، خصوصًا في الأجواء المعتدلة.
قطاع يتوسع
لا يقتصر النشاط على تربية النحل وإنتاج العسل؛ إذ بلغ عدد المؤسسات المتخصصة في تربية النحل وإنتاج العسل وشمعه 47 مؤسسة في 2025، إضافة إلى مؤسستين متخصصتين في العسل الأسود “الدبس” وعسل السكر.
كما توجد وحدات للنحل في المزارع والمحطات البحثية ومراكز التنمية الزراعية والمشاتل، إلى جانب محطتين لأبحاث النحل.
ويعطي ذلك صورة عن نشاط يتوزع بين التربية والإنتاج، والإرشاد والبحث، والمستلزمات والمنتجات المرتبطة بالنحل.






