أثير - محمد الدغيشي
قال المهندس الأول لإدارة مشاريع الإنشاءات الدكتور علي بن جعفر اللواتي، في عرض تناول هوية محافظة مسقط العمرانية على مدى أربعة عقود، إن المدينة قد قطعت رحلة طويلة من أولى مظاهر الحداثة إلى ما يسميه “سؤال القلعة”، وهو السؤال الذي رافق المعماريين العمانيين والأجانب في كل مشروع تقريبًا.
الحداثة أتت من بوابة النفط
افتتح د. علي اللواتي عرضه بمقولة الدكتور علي الوردي حينما ذكر فيها أن “الحداثة دخلت لنا عبر النفط”. وأوضح أن مفهوم الحداثة في أوروبا يختلف عن المفهوم الذي عرفته المنطقة.
وأضاف أن أعمال الاستكشاف بدأت مع نهاية الأربعينيات، ثم دخلت بعدها شركة بي بي إلى عمان، ودخل معها البنك البريطاني للشرق الأوسط (BBME)، وفي تلك الفترة بدأت الكهرباء تدخل المباني في مسقط.
وبيّن الدكتور علي اللواتي أن العناصر التي وفدت حينها، من الرواق (Portico) عند المدخل إلى مواد البناء، كانت نسخة من صورة الحداثة في المدن الأوروبية. وأشار إلى أن هذا المسار كاد أن يحوّل مسقط إلى نسخة مطابقة لنظيراتها من المدن في المنطقة.

البنوك هي من رسمت ملامح المدينة
أوضح د. علي اللواتي أنه اختار أن يقدّم العرض من خلال المباني المصرفية، لأن البنوك هي التي امتلكت المال واستقطبت رؤوس الأموال الأجنبية، وهي التي تحكمت في طريقة عمل المدينة ونموها.
وذكر أن بنكًا بريطانيًا آخر دخل بعد ذلك والذي عرف سابقًا بالبنك العثماني، وكان مبناه أول مبنى في مسقط يُشيد بالخرسانة الإسمنتية المصبوبة، وضمّ طابق ميزانين، ورُشّح للقائمة القصيرة لجائزة “الأغاخان” في دورتها الأولى، وقال إن المبنى يُعد اليوم من التراث الحديث المهمل، إذ يُستخدم كـ “سوبر ماركت”.

وأضاف أن المعماري العراقي معاذ الألوسي صمّم أول مبنى للبنك العربي، وأن البنوك في تلك الفترة كانت تحتاج إلى مشاريع إسكان لموظفيها، فجمعت المباني بين شقق سكنية في الأعلى ومكاتب مصرفية في الأسفل.
وبيّن أن فكرة “المبنى الخلفي” (Back Office) نشأت من هنا، فبعد أن كانت العمليات تُنجز في مكاتب مغلقة، صار العملاء يدخلون إلى قاعة، وتتوزع المكاتب خلفها.
وأشار إلى أن المفهوم تطور إلى مبانٍ متعددة الاستخدامات، منها عمارة طالب في مطرح التي انتقل إليها البنك البريطاني، مشيراً إلى أن حجمها الكبير جعل الناس يسمونها “عمارة”، قياساً بما نراه اليوم من أبراج وناطحات سحاب.
حداثة تتشكل وتنظيم يواكب نمو العاصمة
وتحدث د. علي اللواتي عن مطلع السبعينيات مع بداية عهد الحكومة الجديدة، فقال إن الحاجة ظهرت إلى تنظيم رؤوس الأموال الداخلة، فتأسست سلطة نقد مسقط، أو مجلس النقد العماني، الذي تحول لاحقاً إلى البنك المركزي العُماني.
وأضاف أن الكتابة ثلاثية الأبعاد بدأت تظهر على المباني، وكانت مع السيارات أول شكل من أشكال الحداثة البصرية في مسقط.
وأوضح أن الكاتب الألماني فرانك شولز وثّق مسقط في كتابه، وكان صاحب خطة طموحة لتقسيم التخطيط إلى مناطق صناعية في الوادي الكبير، وتجارية في روي والسيب، وسكنية في القرى، غير أن الخطة لم تتحقق.

وبيّن أن الاستثمار الأجنبي كان غير محفَّز في تلك الفترة بسبب ضعف القوانين، فبدلاً من الالتزام بقطعة الأرض كان بعضهم يمدّ يده إلى الأرض المجاورة، فجاء التوسع عشوائياً. وأشار إلى أن المستثمر القادم إلى عُمان في التسعينيات وبداية الألفية واجه قوانين صارمة وصعبة، كانت منفّرة أحياناً مقارنة بالوضع اليوم.
وأضاف أن مواد البناء تحكمت كذلك في أشكال المباني، فقد استخدمتها الشركات القادمة في مطرح على شارع الكورنيش، وأفرطت في استخدامها في منطقة روي.
“أين القلعة؟”: حين صار الطراز قاعدة
وقال د. علي اللواتي إن الألوسي حاول أن يستلهم من الزقورات العراقية، وحين توسعت المشاريع في صلالة استلهم الأهرامات، لكنه أوضح أن ذلك لم يكن الهوية التي أرادتها البلاد.
وذكر أن المعماري العراقي محمد مكية، المصمم الذي صمم جامع السلطان قابوس الأكبر، جاء بعد ذلك، ووُزّعت في تلك الفترة كتيبات استرشادية على المكاتب تدعو إلى استخدام القوس واللون الرملي والشكل المكعب المستوحى من القلاع. وبيّن أن عناصر محددة أُخذت من القلعة، هي فتحات إطلاق النار، والأعمال الجبسية، والباب الكبير، والنافذة المثلثة من الأعلى المستطيلة من الأسفل.

وأضاف أن هذه العناصر أصبحت أقرب إلى قاعدة غير مكتوبة، فلا يُبنى مبنى إلا ويُسأل عن موقع القلعة في التصميم.
وأشار إلى أن البنك المركزي أُعيد فيه بناء المدخل الأوسط بالأعمال الجبسية والنافذة المثلثة والباب الكبير واللون الرملي، وأن المشهد تكرر في المباني الحكومية، ومنها وزارة الخارجية ودار الأوبرا السلطانية، ثم الجامع الأكبر لاحقاً.
ولفت إلى أن المصارف التجارية في الخوير أمام الوزارات دخلت على الخط، فأخذ أحدها الباب الكبير من القلعة، لكنه تحدث بلغة المال والاستثمار، فجعله بلون ذهبي واستعان بأعمدة فرعونية مستمدة من المعابد القديمة.
ماذا فعل تكرار القلعة بالعمارة العمانية؟
وأوضح د. علي اللواتي أن هذا الشكل ظل يتكرر في كل المباني، حتى الجديدة منها لاحقاً، كالمدارس ومراكز الشرطة والمباني التجارية، إلى درجة أن الناس مَلّت منه. وقال إن النسخ المباشر استمر نحو عشرين سنة، فوُصف بالابتذال وغياب الإبداع.
وأضاف أن لهذا الأمر وجهاً إيجابياً لا يقل أهمية، فقد حمى مسقط من أن تفقد هويتها، ومن أن تتحول إلى “أخطبوط” بأشكال لا رابط بينها، في وقت كانت مواد البناء الحديثة تدفع المدينة نحو نسخة من العواصم الأخرى.

الزجاج يدخل المعادلة
وبيّن أن المشهد تغيّر مع الألفية، حين جاء المعماري الأردني وائل المصري بفكرة مختلفة، هي الإبقاء على الشكل المكعب دون ارتفاعات شاهقة، واستخدام الزجاج.
وروى د. علي اللواتي أن المعماري حدّثه عن زيارته للبلدية، حيث سُئل عن موقع القوس، فقدّم الخرائط ثنائية الأبعاد ورسم لهم القوس بالأبيض والأسود، وقال لهم إنه ما زال موجود.
وأضاف أن المفتشين قالوا بعد المرور على المبنى إنه ليس عمانياً، لكنه مثّل في وقته نقلة نوعية في الشكل البصري المعتاد.
وأشار إلى أن أتكينز جاء بعده بالفكرة ذاتها، من خلال أفنية داخلية على هيئة حرف “U” تربط بينها قناة مائية طويلة تستعير روح الفلج، ووصف ذلك بأنه استعارة مباشرة.
وأوضح أن من جاؤوا بعدهم استخدموا حرف U نفسه، لكنهم وجّهوه نحو جامع السلطان قابوس الأكبر، تعبيراً عن الاستمرارية الثقافية، وأبقوا على اللون البني الرملي، واستلهموا البيت العربي القديم بحوشه المركزي ومكاتبه الموزعة على الجانبين، وهي استعارة أرقى وليست مباشرة.

وأضاف أنهم عادوا إلى سؤال القلعة بمعالجة مغايرة، فكما كانت القلاع تُبنى على نتوء صخري، قام هذا المبنى على نتوء، وكُسيت واجهاته بالزجاج إشارةً إلى المرونة والشفافية في عالم اليوم. وبيّن أن المعماري حاكى الطبيعة أيضاً، ومنها الأودية التي لا تأتي جدرانها متساوية. وأكد أن هذه التجربة أسست لمرحلة جديدة بعد الاستخدام المباشر للقوس والمكعب واللون الرملي والباب الكبير في الثمانينيات والتسعينيات.
هوية يبحث عنها الآخرون
وأوضح د. علي اللواتي أن هدف ورقته البحثية رصد التحولات في كل عشر سنوات على امتداد أربعة عقود، منذ بدأت الحداثة في الثمانينيات، مشيراً إلى أن العمارة الدفاعية سمة ينبغي ألا تُفقد في المستقبل.

وشدد في حديثه الخاص لأثير على أن لدينا اليوم، بعد أربعين سنة، هوية فقدها الآخرون ويبحثون عنها، داعياً إلى ألا يُنسف هذا الإرث أو يُضاق به، بل يُتعامل معه بإبداع. وضرب مثلين، هما مبنى البنك الوطني العُماني الذي استعار من قلعة نخل دون نقل مباشر، ومبنى البنك الأهلي الذي استلهم سؤال القلعة بطريقة غير مباشرة.
وخلص إلى أن العمارة قادرة على تقديم هوية تواكب التطلعات دون أن تُحدث قطيعة مع ما شُيّد سابقاً.





