الإجتماع الرباعي بارقة أمل لأمن إقليمي مستدام

عن الكاتب

الركابي حسن يعقوب
الركابي حسن يعقوب

كاتب وصحفي سوداني

الإجتماع الرباعي بارقة أمل لأمن إقليمي مستدام
الإجتماع الرباعي بارقة أمل لأمن إقليمي مستدام
أثير- الركابي حسن يعقوب
أنباء أمس الأحد حملت على متنها تطورا شديد الأهمية على صعيد الأزمة الحالية الجارية في المنطقة، وعلى صعيد الأمن القومي العربي ونواته منطقة الخليج العربي.
الأنباء تحدثت عن إلتئام إجتماع رباعي في العاصمة الإيرانية طهران يضم مسؤولين أمنيين وعسكريين من المملكة العربية السعودية، وتركيا، وباكستان ، وإيران.
وقالت وزارة الخارجية الإيرانية إن الإجتماع يأتي كخطوة نحو التعاون بشأن الآليات الأمنية الإقليمية على أساس المصالح المشتركة ، وأن المبادرة لعقد هذا الإجتماع تم طرحها خلال الزيارة التي قام بها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران مؤخراً وأن إيران وافقت عليها.
وأشارت الخارجية الإيرانية إلى أن الإجتماع الرباعي سيناقش نهج إسرائيل التوسعي والتطورات في لبنان وفلسطين وتداعيات الاعتداء العسكري على إيران.
وقال وكيل وزارة الخارجية السعودية التي يرأس وفدها للإجتماع وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان إن إجتماع طهران يأتي ضمن جهود خفض التصعيد بين أطراف الأزمة.
هذا ما رشح من أنباء عن الإجتماع حتى كتابة هذا المقال ، والخطوة في حد ذاتها تعتبر نقلة نوعية في اتجاه بناء أمن إقليمي خاص بالمنطقة يستطيع توفير الأمن والإستقرار ونشر السلام في المنطقة ومجابهة التحديات التي يفرضها الواقع الجيوسياسي للمنطقة ، وهي برأيي استجابة ذكية لتداعيات الأزمة الراهنة في الإقليم ككل ، هذه الأزمة التي اكتوت بنيرانها المنطقة في المقام الأول وشعوبها تطأ جمرها وأول من يتأثر بتداعياتها السالبة، فمنطقة الخليج ومحيطها الجغرافي لها أهميتها الحيوية الاقتصادية والاستراتيجية وأي إضطراب يحدث فيها يؤثر بدوره على العالم بتأثير من ظاهرة الإعتماد المتبادل والارتباط الوثيق بين الأحداث والتطورات حول العالم من جهة وبين النتائج التي تترتب على هذه الأحداث والتطورات والتي تساهم في رسم مصائر ومستقبل الدول والشعوب.
ومن عجب فإن كل الأزمات التي ألّمت بالمنطقة على مر تاريخها الحديث هي في أصلها وأساسها من صنع قوى أجنبية من خارج الإقليم، لايجاد موطيء قدم لها طمعاََ في مقدرات هذه المنطقة الغنية بالموارد الحيوية الإقتصادية وموقعها الاستراتيجي المهم وبإرثها الحضاري الثري الممتد في عمق التاريخ الإنساني. وهذه الأزمة الراهنة هي خير مثال لهذه الحقيقة إذ نتجت هذه الأزمة بسبب أطماع قوى استيطانية متحالفة مع قوى استعمارية لخدمة مشروع توسعي استيطاني استعماري للهيمنة على المنطقة، التي هي بمثابة الحبل السُري للعالم تمده بما يحتاجه من موارد الطاقة المختلفة وتساعد في تشغيل الإقتصاد العالمي وإكمال دورته الحيوية.
هذا الاجتماع الرباعي مهم كونه يأتي في أوج تصاعد التوتر وبلوغ الأزمة المرحلة الحرجة ، فهذه الأطراف الأربعة معنية بشكل مباشر بما هو حادث الآن، بل هي في قلب العاصفة، هذا من جانب ومن جانب آخر فهي قادرة على الفعل وراغبة في حل الأزمة اليوم قبل الغد وما يجمع بينها مصالح مشتركة ومصير مشترك وتتاثر بصورة مباشرة بكل ما يجري في المنطقة.
إن واحدة من أهم النتائج التي يمكن وينتظر أن تتمخض عن الاجتماع الرباعي هو خفض التصعيد في المنطقة بالعموم، وتهدئة التوتر الحادث الآن في العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران، وهي نتيجة مطلوبة بشكل مُلِح في هذا التوقيت، إذ أن خفض التوتر ما بين الدولتين يعتبر مفتاح لخفض التصعيد على الجبهة اليمنية وبالتالي التوصل لاتفاق ينهي الأزمة في اليمن.
كذلك فإنه من الممكن أن يفتح هذا الاجتماع الباب إلى حدوث تقارب بين وجهات نظر هذه القوى الإقليمية الأربعة فيما يلي القضايا الأمنية والمصالح والتعرف عن قرب على مصادر التهديد للأمن الإقليمي وبالتالي كيفية تطوير نظام أمني إقليمي يمثل حائط صد لكل المهددات الداخلية منها والخارجية.
والاجتماع مهم جداً أيضاً من زاوية إعادة صياغة الشراكات الأمنية مع القوى الدولية الفاعلة والتي تربطها علاقات بها امتدت لعقود بحيث لا تصبح هذه القوى جزءاً من المشكلة، بل تكون عنصراََ يعمل على تدعيم النظام الأمني الإقليمي على أساس تبادل المصالح والمنافع المشتركة في إطار علاقات طبيعية.
مسألة أخرى مهمة أيضاً، وهي أن الاجتماع يمكن أن يمثل عنصر إلهام لدول المنطقة يحفزها لكي تتولى عبء الحفاظ على أمنها ذاتياََ وفي إطار العمل والتنسيق المشترك بين دولها بعيداََ عن التأثيرات الضارة بمصالحها والتي تأتي من قوى معادية لها مطامع توسعية ظلت تعمل بسياسة (فرق تسد) وزرع الفرقة والشتات والاختلاف ما بين دول المنطقة من أجل مشروعها التوسعي الاستيطاني.
ويضاف لما ذكر أعلاه مسألة الممرات المائية الواقعة في الإقليم وما وضح من خلال الأزمة الراهنة من أهميتها البالغة من ناحية جيوسياسية، فهذه الممرات تحتاج إلى حماية من قبل دول المنطقة حتى تؤدي دورها على أكمل وجه في ضوء القانون الدولي بحيث لا يتم التغول عليها من أي طرف كان والتأكيد على حق دول الإقليم في توفير الحماية اللازمة لها دون أن تصادر هذه الحماية الحق الدولي العام.
كذلك فهذا الاجتماع يمكن أن يذيب الجليد الذي ران على بعض العلاقات بين دول المنطقة وإزالة ما علق بها من سوء فهم وتوتر غير مبرر، وهذا يساعد حتماً في التوصل إلى أفكار تصلح لتكون مدخلاََ لحل الأزمة الراهنة أكثر شمولاََ وعدالة ومقبولية اقليمياََ ودولياََ.
وأخيراََ فإن انعقاد هذا الإطاجتماع في حد ذاته يؤكد أن الدبلوماسية هي الوسيلة الأكثر نجاعة في حل الخلافات، وأن الحروب والاستخدام المفرط للقوة خارج القوانين الدولية ما عادت وسيلة لحل المشكلات في عصر التقدم التكنولوجي والطفرة العلمية والتقنية الهائلة التي يشهدها العالم حيث يتقدم (العقل) على (العضَل) والعدالة على الظلم، والمصالح المشروعة على المطامع الجامحة.
ورعاية المصالح وتحقيق الأهداف في عالم اليوم تتحقق الدبلوماسية وبحسن العلاقات وبمراعاة القانون الدولي والمواثيق والأعراف الإنسانية، وإن قصف المدن وهدم المنازل على رؤوس ساكنيها وتهجير أصحاب الحق من أراضيهم واستهداف المنشآت المدنية وقتل الأبرياء وترويع الآمنين هي ممارسات من العصور الوسطى وعصر الحجر حيث قانون الغاب، وأن الأمن يتحقق بمزيد من الأمن وليس بمزيد من العدوان ، وأن التقارب بين الشعوب يتم بالحسنى وباحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها. وقد سبقت سلطنة عُمان الجميع باتباعها لنهج الدبلوماسية والحياد الإيجابي والتزامها لمبدأ الوساطة وحل المشكلات والنزاعات بالوسائل السلمية وقد قادت رعاية محادثات مضنية بحنكة بين طهران وواشنطن، حتى كانت قاب قوسين أو أدنى من الحل لولا أن امتدت أيادي التخريب إليها فأضاعت الفرصة التي يبحث الجميع عنها اليوم. إنه بعد النظر الذي لا يأتي إلا عن حكمة وحسن بصيرة.

شارك هذا الخبر