العرب والغرب من كوكب واحد

تناول الكاتب في 2015 التوتر في تصور العلاقة بين العرب والغرب عبر ثنائية الأنا والآخر، واقترح دراسة مناهج النهوض وتطوير الأساليب ضمن الحضارة الإنسانية.

العرب والغرب من كوكب واحد
Atheer - أثير

ناصر الحارثي

منذ تخلص العرب من الاستعمار الأوروبي العسكري في منتصف القرن العشرين ونحن نعاني من عقدة وهمية وإشكالية لم تكن يوما على قواميس ثقافتنا العربية وهي إشكالية علاقة العرب مع الغرب حتى أصبحت الشغل الشاغل بين متعصب لثقافته وغارق في المقارنات المكوكية.

 

يرى المفكر المغربي الجابري أن بنية العقل العربي لا ترى في الآخر الضد أو المختلف بل تراه الغير الذي يجتمع معه في الإطار ذاته ولم تكن يوما تراه بالنقيض كما هي بنية العقل الأوروبي الذي يرى في الآخر الضد أو المقابل للأنا، وعندما نتأمل حال العرب في التاريخ نجد أن العرب لم يكونوا يوما مفرطي الحساسية تجاه الآخر لذا نجدهم قبل الإسلام يتعاملون مع مختلف الأقوام، وفي عهد الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم لم يجد النبي حرجا في الاستعانة بفكرة سلمان الفارسي ولم يتردد عمر بن الخطاب في الاستعانة بأنظمة الدواوين الفارسية بكل تفاصيلها، فالعرب عاشوا على مبدأ أن الآخر هو جزء من الحضارة الإنسانية، ولكن بسب التراكمات التي أنتجتها فترة ركود الحضارة العربية والإسلامية وكذلك أثر الاستعمار الأوروبي الغربي في المنطقة العربية أصبح العرب ينظر إلى الغرب بحمل ثقيل من التبعات وتجلى الأمر في ثلاثة توجهات رئيسة بين من يرى أنه يجب التعصب للقومية العربية والاعتزاز بها وظهر لها مناصرون وأنتجت تحالفات وأحزاب وصلت إلى الحكم لكنها سرعان ما تقهقرت وتوجهات تنادي بالأصولية والعودة إلى السلف لمواجهة الغرب فإن كان للحضارة الغربية مرتكزاتها وأمجادها فكذلك لحضارتنا الإسلامية مرتكزاتها وأمجادها، وإشكالية التوجهين أنهما كلاهما ينطلقان من الأنا والآخر ورغم تقهقر التوجه الأول بسبب أنه كان يعتمد على الخطاب العاطفي واتسم بالنخبوية أضف إلى ذلك التجارب الفاشلة، فإن التوجه الثاني اتسم بالقدرة على الاستمرارية لأنه كان موجها في غالب الأمر إلى عامة الناس ولم يتم اختباره وتجربته بشكل واضح وجلي في عالمنا العربي إلا بتجارب موجهة سياسيا، وبرز توجه آخر هو انعكاس للتوجهين معا وهو التوجه الحداثي العلماني واتسم برؤية الآخر على أنه الفردوس الأعلى والطريق الأوحد للنهوض بالشعوب فأسقط نظرية المؤامرة والكثير من الثوابت التي تعصبت لها القومية العربية والتوجهات الإسلامية، ورغم أنه التوجه الحداثي أسهم في الحراك البشري وسنة التدافع إلا أنه أصبح وحيدا يعيش في كوكب آخر مثقل بمقارنات لا منقطعة ترى بأن الآخر هو الضياء ونحن العتمة ولن نجد النور إلا إذا اكتسبنا حلة النور الغربي بكامل تفاصيلها ليسقط التوجه أيضا في إشكالية أنا والآخر المختلف وحتى أنهض يجب أن أتخلص من الأنا التي أحملها وأنسلخ منها وأكون هو.

 

نجد أن الجميع سقط في إشكالية أنا والآخر بعلاقة تضادية تباينية لا بعلاقة غيرية تتسم بوجود روابط مشتركة لذا قال المبدع العربي الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء أحمد زويل “الغرب ليسوا عباقرة ونحن أغبياء هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح ونحن نحارب الناجح حتى يفشل” فالإشكالية ليست في الجينات حتى تكون أزلية وليست في الثقافة حتى ننسلخ منها، كل ما في الأمر أنها قضية أساليب وطرق ومناهج يمكننا تقويمها وتطويرها، تلك المناهج تم تجاوزها من قبل التوجهات بسبب التعصب لذاتها أو من خلال الانسلاخ عن ذاتها وهنا نجد أننا ندور في قضايانا حول المشكلة ولا نسلط المنظار على المشكلة ذاتها.

في الختام أرى بأننا نستطيع أن نسلط المنظار على المشكلة ذاتها من خلال تأمل كيف نهض الغرب والذي كان معنا على نفس الخط أو أقل درجة، وكذلك باستخدام مناظير غربية لتفعيل قيم ثقافتنا لا مشارط غربية لاستئصال ثقافتنا فنحن في الأول والأخير جزء من الحضارة الإنسانية نملك ثوابت ومتغيرات تتأثر بكل الأنماط والتجارب البشرية فعلاقتنا بالآخر علاقة غيرية لا ضدية.

شارك هذا الخبر