ذاك هو عبدالرحمن الراشد وتلك هي صحيفة البيان

في مادة رأي نشرها موسى الفرعي عام 2016، رد الكاتب على مقال لعبدالرحمن الراشد في صحيفة البيان، وناقش صورة السياسة العمانية وقيمة السلام ودور الدبلوماسية في المنطقة.

ذاك هو عبدالرحمن الراشد وتلك هي صحيفة البيان
Processed with Rookie Cam

أثير- موسى الفرعي

مقدمة لابد منها:

إن الكتابة في بعض الأحيان تأخذ شكل الإيضاح لمن التبس عليه أمر ما، وفي حين آخر تكون تأطيرا لشخص أو مؤسسة ما قد تأخذها المراهقة الإعلامية أو السياسية إلى المناطق الأشد ظلمة في النفس بحيث لا تمكّنه من رؤية ما يحيط به بواقعية كاملة.

الصحافة بشكل خاص إما أن تتحول إلى صفحات بيضاء تزهو عليها الحقائق كما هي ووسيط سلام وناقل محبة فتكون كذلك بموضوعية الطرح، وإما أن تمتلئ بسوداوية مكتوبة بحبر ظلام النفس الممجوج والفاضح فيكون رفضه مبنيا على منطقية التلقي التي ارتفع منسوب نضجها بشكل كبير جدا لدى المتلقي العربي، وفاضح لأن هذا النضج لدى المتلقي العربي أصبح مبنيا على معرفة بالتاريخ السياسي وقراءة لانعكاسه على الحاضر الراهن، ولكننا نجد بين الحين والآخر انحرافا واضحا للكثير من للكتّاب والمثقفين، وويل للعالم إذا انحرف هؤلاء كما قال ابن خلدون.

إن عالمنا العربي يشهد انحدارا كبيرا في مستوى الطرح الإعلامي بشكل عام والصحفي بشكل خاص جدا، إلا أن فئة قليلة آمنوا بإنسانهم وأصبح صالح الإنسان أول همومهم، ومثل هذه الفئة هي الأكثر قدرة على الحياة حتى بعد الحياة، وأما من باع ضميره واسودَّ ظاهره فأولئك يصحبهم ذكرههم إلى قبورهم ولن يبقى منهم إلا ما يدل على فساد الوجود كي يقاس به صلاحه، وقد تعددت أساليب الأمر الإلهي للإصلاح وتنوعت أساليب القرآن الكريم ومدلولاته، وما على الناس سوى أن يتخلقوا بمثاله، فأين مثل هؤلاء عن هذا الفضل الإلهي الذي حملهم الله إليه حثا وترغيبا (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها).

لقد أصبح اعتدال الأمر بيد رجال السياسة المنتصرين منهم والذين وضعوا الإنسانية نصب أعينهم، وأصبحت الصحافة هي أول أدوات إفساد الأمر بيد المراهقين من القائمين عليها، وإنه لا يخفى على أحد أن هذا الأمر هو نتيجة لما تمارسه بعض الصحف العربية بين حين وآخر، ويتجلى هذا الأمر أكثر لكل مبصر مما لا يدع مجالا للشك بسواد ما يضمرون وما يسعون إليه، وهذا يتبين من خلال توقيت طرحهم وطبيعة ما يطرح من محاولات تشويه كل فعل جميل، ودلالات مبطنة تفضح ما لديهم وما يسكن عقولهم.

ها هي صحيفة ( البيان ) التي تستظل بمؤسسة دبي للإعلام تفتح مساحة جديدة لـ عبدالرحمن الراشد لطرح مقاله المعنوّن بـ “عمان بين الخليج وإيران” متكئا على الحوار الذي أجري مع معالي يوسف بن علوي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، وبعد أن بدد معاليه بعض الشكوك التي صنعها البعض فتساقط الكثيرون على بعضهم البعض، بعد هذا كله يأتي “الراشد” وما أظنه كذلك ليحاول إقناع القارئ أن عمان تنعم بكل هذا السلام فقط لأن جيرانها أرادوا لها ذلك، وهذه فكرة من الصعب أن ننعتها بالطفولية، ومن الأصعب نعتها بالدهاء وإن تهيأ للكاتب أنها كذلك، إنما لا يكون إلا ما أراده الله لنا من خير بتوكيل خيرنا علينا، وما يسلط على أرض من عقاب إلا بما جناه أهلها عليها، وإن كان كذلك مفترضين أن عبقرية “الراشد” السياسية أدت به إلى هذه النتيجة فمن أراد لعمان السلام لما لم يحققه لنفسه أولا..!! أم أن عيون الراشد لا تبصر أكثر مما يريد لها فقط، إنما أعماه الله – بشر ما يحمل – عن تاريخ عمان وحاضرها الزاهر المنتج للسلام والساعي إليه.

إن النأي عن الخلافات والصراعات التي تعصف بالمنطقة ليس انسحابا وابتعادَ قليل الحيلة، وليس غموضا كما يتوهمه “الراشد” وإنما هو تحقيق لأهم القيم العليا لدى العمانيين حكومة وشعبا والتي تتوارثها الأجيال وهي السلام، هذه القيمة والثقافة التي يحملها العمانيون مبدأ ويعيشونها كأسلوب حياة، ولو لم يكن الأمر كذلك لما كانت متفردة في لجوء الآخرين لها ثقة ويقينا منهم بقدرة الحكمة العمانية على حل النزاعات وإيمانا من عمان بأن الجهود السلمية قادرة على الوصول إلى نقاط توافق وأن الشقاق لا يولِّد إلا فرقة وشقاقا.

إن الخنوع والتبعية التي سيطرت على الكثيرين هي مفاهيم لم يعرفها العمانييون من قبل كي تكون الآن حاضرة في عصر الفارس الذي يحتاج “الراشد” ومن يدفع به إلى أعمار كثيرة كي يصل إلى كعب إنسانه، حفظ الله جلالة السلطان المفدى.

لقد أثبتت التجارب أن عمان أول الساعين إلى إصلاح الأرض بالحفاظ على الإنسان، وقد أثبتت أيضا فاعلية الدبلوماسية العمانية التي أنقذت العالم كله وليس المنطقة العربية فقط من هول ما يمكن أن يكون لو لا تدخل عُمان في قضية الملف النووي الإيراني، ومن يفعل هذا وغيره لا يستسيغ الرسائل المبطنة الموزعة داخل المقال التي قد ترتعد لها فرائص الجبناء، وأما عمان فليعلم “الراشد” وغيره أنها أرض كتب الله لها المجد والأنفة منذ أن كانت، وأن كل دقيقة تمر على عمان هي رحم ينجب بطلا، وليعلم أن عمان تعمل تحت ضوء الشمس لأن الخفافيش وحدها من تحمد الظلام.

لقد استخدم “الراشد” في مقاله كلمة “النظام الإيراني” كيف ذلك وهي دولة قائمة ذات سيادة، أم أنه أيضا يطلق ذات الكلمة على كل الحكومات، هذا ما فضح الجهل السياسي لدى الكاتب وعدم موضوعيته، وما لبث حتى ألمح إلى أن السلطنة كان لها الدور غير المباشر في فتنة اليمن بعد التقارب الغربي، أليست هي ذات السلطنة التي قال فارسها المعظم أنه لا يريد أن يذكر التاريخ أننا اشتركنا في قطرة دم واحدة تراق في اليمن؟ أليست هي ذات السلطنة التي أسهمت إيجابيا في حل الكثير من المشكلات التي عصفت بالمنطقة، وإطلاق سراح الكثير من الخبراء والأكاديميين البريطانيين والكنديين والأمريكيين والألمان والإيرانيين، وعودتهم لأسرهم بعد استجابة مختلف الجهات المعنية للسعي والجهود العمانية، هل يلاحظ “الراشد” هنا تعدد الجنسيات وتباينها، هل يدرك أن العين العمانية لا ترى إلا الإنسان، الإنسان فقط ولا تنتصر إلا لسواه.

الحق هو أن الذنب والخطيئة ليست معلقة برقبة إنسان بعينه بشكل خالص بل بمن منحه فرصة الخطأ ومن حمله عليه، ذاك هو عبد الرحمن الراشد الراكض ومن معه وراء ما لم يبلغه الأوائل بقوتهم فكيف بالصغار بما يحملون من ضعف وجهل، وتلك هي صحيفة البيان التي تنسف شيئا فشيئا ما صنعته الحكمة الإماراتية المتمثلة بالشيخ محمد بن راشد آل مكتوم صاحب الشخصية الملفتة والمحافظ على دبي بواقعية وعصرية فريدة، وقبل ذلك كله تلك هي صحيفة البيان التي تخون شرف مهنتها إذ لا متابعة وإشراف، متناسية أن الكلمة الطيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وأن الكلمة الخبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

شارك هذا الخبر