قراءة لـ “أثير” في كتاب: الصحافة في حرب غير متكافئة مع العصر الرقمي

تستعرض قراءة أثير لكتاب «السوق المريضة» تحديات الصحافة في العصر الرقمي، من التمويل وتراجع القراء إلى الأخبار الزائفة، وتبرز الاستقلال التحريري والنزاهة سلاحين لبقائها.

قراءة لـ “أثير” في كتاب: الصحافة في حرب غير متكافئة مع العصر الرقمي

أثير- مكتب أثير في القاهرة
إعداد: محمد الحمامصي


تواجه وسائل الإعلام عامة والصحافة الورقية خاصة تحديات مؤلمة وغير محدودة، ليس من بينها تراجع الحريات وعدم إقبال القراء فقط، ولكن أيضا على مستوى التمويل ودخول العصر الرقمي ممثلا في وسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك وتويتر وإنستجرام وغيرها واستغلالها بث الشائعات والأخبار والتقارير الكاذبة من قبل جماعات مصالح ودول.

قراءة لـ “أثير” في كتاب: الصحافة في حرب غير متكافئة مع العصر الرقمي
قراءة لـ “أثير” في كتاب: الصحافة في حرب غير متكافئة مع العصر الرقمي

وهذه الرؤية التي تطرحها مقالات هذا الكتاب “السوق المريضة، الصحافة في العصر الرقمي” للكاتب والصحافي العراقي القدير كرم نعمة تأتي انطلاقا من تجربة طويلة عاش فيها في لجة مطبخ ساخن لصحيفة يومية كمدير تحرير لجريدة العرب اللندنية؛ ليكون الشاهد والمتابع لأزمة وجودية كسرت عمودا في مبنى الصحافة، لم تشهد مثله على مر التاريخ المعاصر.

تؤكد قراءة “أثير” للكتاب أن وسائل الإعلام المطبوعة لم تعش زمنا غير عادل بحقها مثلما مر عليها منذ أن فتح علينا السيد “غوغل نوافذه”. ولم تدخل في تاريخها منافسة غير عادلة، إلا عندما صنعت شبكة الإنترنت نموذجها الإخباري في وسائل التواصل الاجتماعي، وشكل فيسبوك جمهورية افتراضية يسكنها أكثر من ثلاثة مليارات مستخدم. كان على الصحافة أن تعبّر عن نفسها في تلك الحرب غير المتكافئة في العصر الرقمي وهي تدار من جيوش المواطن الصحافي والأخبار الزائفة. مع ذلك بقيت صامدة فيما سمي عصر ما بعد الحقيقة، وبقيت نماذجها المثالية المخلصة لجوهر الصحافة وحدها مثالا تاريخيا كما كانت وكما ستبقى في العصر الرقمي.

في مقالات الكتاب الصادر عن دار لندن للطباعة والنشر يجد القارئ احتفاء بتلك الأمثلة التاريخية في الصحافة الورقية عندما نعرف الأرقام المليونية المستمرة إلى اليوم في توزيع صحف مثل فايننشال تايمز ونيويورك تايمز. ووفقا للمؤلف “لسوء الحظ لا أجد مثالا عربيا هنا”.

ويرى نعمة أن وحدة متن هذا الكتاب تفرضه طريقة التفكير عند كتابته، وإن تجزأ إلى مقالات مستمرة كتبت على مدار أكثر من عشر سنوات تعبّر عن زمن كتابتها، من دون أن تفقد استمرارية تأثيرها على صناعة الرأي. فهي تمتلك خصوصية المؤرخ للحدث أولا، مثلما تعرض تداعيات وتأثيرات ذلك الحدث وما ترتب عنه لاحقا. ذلك ما أراه أحد أهم المصادر للمهتم بمصير وأزمة الصحافة الوجودية، مثلما يمثل مرجعا للدارسين لمفاهيم وسائل الإعلام. صحيح أنني لم أفرط في كل مقالات الكتاب بالأسئلة بوصفها المعبّر المتصاعد والمستمر عما تعيشه الصحافة المطبوعة ووسائل الإعلام بشكل عام، في العصر الرقمي، لكن ثمة إجابات أيضا بقيت مخلصة ومستلهمة لجوهر الصحافة أثبتت أهميتها بمرور الوقت، وستبقى كذلك، لأنني أومن أن الصحافة لن تموت، بل ستبقى تعبر عن نفسها وإن تغيرت الطرق والوسائل والأدوات التي تُقدم بها. كنت صحافيا عندما كان القلم والورقة وسيلتي وسأبقى كذلك وأنا أصنع قصتي بهاتفي الذكي. ذلك ما توصلت إليه في كتابي هذا”.

يقول نعمة بأن الاستقلال التحريري والنزاهة هما أكبر أسلحة وسائل الإعلام في الدفاع عن خطابها أمام منافسة متزايدة، هذه ليست مجرد مسألة أخلاقية في العصر الرقمي، فجملة “ثق بي، أنا صحافي” لا يمكن إطلاقها لمجرد المزاح، الأمر أكبر بكثير من مصالح المعلنين والتجار ورجال الدين وأصحاب القرار السياسي، لكن الصحافيين أنانيون مثل أي إنسان آخر، وهم يمنحون أنفسهم دورا في القصص الإخبارية والإعلان عن مواقف تلغي فكرة الشاهد الطامح إلى حرية نشر المعلومات واحترام وعي الجمهور.

ويلفت إلى أنه لسوء حظ الصحافة، الأنانية أضحت مرحلة متأخرة قياسا لما يحدث في التلفزيونات العربية اليوم، هناك جيل إعلامي يمارس العبث الصحافي والتسطيح المريع والتخلي عن صناعة الأفكار العميقة والاكتفاء بالتكرار واستخدام لهجات ركيكة في التعبير وكأن اللغة باتت عاجزة، بل إن المحاورين على شاشات التلفزيون لم تعد من مهامهم صناعة الأسئلة، هم يتحدثون عن أنفسهم كشركاء في القصص أكثر مما يقدمون للمشاهد صورة عن منجز المُحاور!.. عندما يكون الصحافي جزءا من القصة ينتهي نضال الصحافة الحرة من أجل حريتها. فإحدى مقدمات الاستبداد هي تقويض شرعية الإعلام المستقل. الهدف واضح: لفسح المجال لأجهزة الدعاية المتطرفة والحكومات الفاسدة وتحويل الصحافة إلى مشروع تجاري أو ديني، ليس من مهامه ربط المجتمع في ديمقراطية حرة من الأفكار والمعلومات. وفي المحصلة هناك إعلام يتجاوز مفهوم التابع والمتبوع، بل أكثر إيغالا في التبعية، إعلام مطابق فعليا لفعل الحشد في صوره ومحتواه. من صنعه إذًا غير الجماهير وإعلامها وفق نظرية غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير”.

ويؤكد نعمة أن الإعلام المعبر عن مصالح سياسية وتجارية ودينية اليوم أكبر بكثير من إعلام مدافع عن حرية المجتمع في العالم العربي، الأمر الذي يعبر عن الارتداد والنكوص، إعلام يقدم نفسه لجمهور ليس بحاجة إلى مثل هذا التقديم! من يساعدني بأمثلة عن وسائل إعلام عربية لا تضع نفسها جزءا من القصص السياسية؟. إن هناك مرحلة متأخرة من الصحافة، لسوء الحظ تزداد تأخرا مع مرور الوقت، مع أنها موجودة في كل بلدان العالم بما فيها الغربية، لكن التي تزداد تأخرا أكثر هي الصحافة العربية، لا يمكن أن نصدق أن الصحافي يزداد غباء مع مرور الوقت، لكننا لا نمتلك غير بدائل من صحافة فيها من التكرار ما يزعج، وكدس كبير من المقالات التي لا تقول شيئا، وتعجز عن صناعة فكرة جديدة.

ويرى أن نمو الصحافة على الإنترنت أشبه بنمو الفطر، أما تنوعها على الشبكة العنكبوتية فيبدو أشبه بتشابك الحقول المرجانية في أعماق البحار، لذلك ستكون تسمية “صحافة المايكروخبر” جديرة بالوفاء لما ينقله تويتر مثلا أو المدونات الخاصة من أنباء قصيرة. لم تعد الصحافة بمفهومها الجديد تتحمل الرأي بصفته نموذجا مطولا ومستقلا، بل سيكون موضع تجاهل في مواجهة تقديم معلومات بمحتوى مهم في وقت حدوثها نفسه، وتشغل حيزا كبيرا من اهتمام الناس. وهكذا يندفع جيل إعلامي جديد للاستكشاف الحقيقي للعالم الجديد بدلا من المشي على الطرق المعروفة، وعدد مضاف من الصحافيين لإطلاق منافذهم الإعلامية في “صحافة المايكروخبر” كما يعرض كتاب يحمل الاسم نفسه “مايكروخبر- المغامرات الرقمية في وقت الأزمات”، الذي اشترك في إعداده إيفا دومينغيز وجوردي كولومي.

ويقول نعمة إن ايفا دومينغيز تتوقع أن تنفذ وسائل الإعلام أكثر إلى صحافة “المايكرو خبر” الأمر الذي يحول المشاريع الشخصية من قبل المواطن الصحافي والأخرى التي يطلقها الصحافيون الذين فقدوا عملهم نتيجة الأزمة المتصاعدة، إلى مشروع يدر مقابلا ماليا. وتؤمن هذه الصحافية الإسبانية التي درست الإعلام، بأن التعليم الجامعي اليوم بات ميتا، حيال التحرك المطرد لإعلام المواطن، ويجب أن ينظر إليه على أنه مجرد أداة لتحفيز لا أكثر وللتخلص من التوتر الذي تسببه المناهج التعليمية التقليدية، لكنها تثق تماما بأن الوقت كفيل لإطلاق حلقات دراسية تعيد دراسة المشاريع الصغيرة للمواطن الصحافي. صحافة “المايكرو خبر” منشغلة بتطوير أدواتها ومحتواها في آن، ولا تبدو مهتمة كثيرا بالسباق بين الورقي والإلكتروني، هي معلم صبور بإمتياز تماما مثل صبر الكمبيوتر على مستخدمه، مكتشفة بشكل تلقائي للمواهب، ومشجعة على الاعتقاد بأن المستخدم قادر على العطاء وليس لعب دور المُستقبل من الإنترنت. النموذج الجديد أدار ظهره للأدوات التقليدية في الصحافة، بعد أن حبس أصحابه أنفسهم مع الأفكار والأقلام والأوراق، وهو يترقب أن يحمل ماركته التجارية قريبا، فهل نسينا كيف انطلق فيسبوك، ليصبح بعدها بهذا الثراء؟

شارك هذا الخبر