أثير - مازن المقبالي
لم يقتصر إسهام المرأة العُمانية في الوقف على تخصيص النخيل أو حصص المياه للفقراء والمساجد، بل امتد إلى دعم التعليم ونسخ الكتب وصيانة الأفلاج، وصولًا إلى تأسيس مدارس القرآن الكريم والإسهام في المشروعات العقارية والاستثمارية.
وتكشف نماذج من محافظة جنوب الباطنة عن امتداد هذا الدور عبر أجيال، وتنوع مجالاته بما يعكس ارتباط الوقف باحتياجات المجتمع وتحولاته.
وتناولت دراسة قدمتها سامية بنت سيف البطاشية باحثة شؤون إسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية خلال ندوة “محافظة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني” إسهامات النساء في تأسيس الأوقاف وإدارتها، وأثرها في التعليم والتكافل الاجتماعي والأنشطة الاقتصادية، مستندةً إلى نصوص فقهية ووثائق تاريخية ونماذج من الأوقاف القديمة والمعاصرة
أوقاف للعلم والمساجد
أوضحت الدراسة أن الأوقاف النسائية في جنوب الباطنة شملت جوانب دينية وتعليمية متعددة، من بينها تخصيص الأموال للمتعلمين، ونسخ الكتب وإصلاحها، وعمارة المساجد، ومن النماذج التاريخية التي أوردتها الدراسة وصية عائشة بنت راشد بن خصيب الريامية بتخصيص تسع قياسات من مياه أحد الأفلاج لإصلاح الكتب التي أوقفتها، بما يعكس ارتباط الوقف باستمرار المعرفة وتداولها.
وفي العصر الحديث، برزت مبادرات نسائية لإنشاء مؤسسات تعليمية، من بينها مدرسة أمهات المؤمنين لتدريس القرآن الكريم في منطقة العقدة الغربية بولاية بركاء، ووفقًا للدراسة، انطلقت المبادرة من جهود أربع نساء من المنطقة، واعتمد المشروع على إسهامات وقفية من 68 موظفة، بلغت قيمة السهم الواحد 1200 ريال عُماني.

وبلغت تكلفة إنشاء مبنى المدرسة نحو 80 ألف ريال عُماني، على مساحة 470 مترًا مربعًا، فيما تقدم المدرسة برامج في تحفيظ القرآن الكريم والتجويد والتفسير والعلوم الشرعية، وتستوعب سبع فئات عمرية، إلى جانب تنظيم فعاليات توعوية بالتعاون مع مؤسسات حكومية.
كما رصدت الدراسة إسهامات النساء في تأسيس دار الإتقان العالي بولاية الرستاق، من خلال جمع التبرعات وتنظيم الإسهامات المالية الشهرية والتطوع في تعليم القرآن الكريم، إلى جانب تجربة دار الزهراء للإتقان بولاية العوابي.
التكافل يتجاوز الاحتياجات اليومية
وفي الجانب الاجتماعي، وثقت الدراسة أوقافًا خُصص ريعها للفقراء والمساكين والصائمين، وأخرى لشراء أكفان الموتى وتجهيز اللحود، فضلًا عن أوقاف خُصصت للأقارب غير الوارثين.
ومن الأمثلة التي أوردتها وقف كذي بنت راشد بن محمد نخلةً تُصرف غلتها للفقراء يوم عرفة في مسجد حويل بني هناة بقرية الحوقين في ولاية الرستاق، إلى جانب أوقاف أخرى خُصصت لشراء أكفان فقراء المسلمين، أو لتوفير احتياجات اجتماعية محددة.
وأشارت الدراسة كذلك إلى إسهامات نسائية في صيانة الأفلاج وإصلاحها، ومنها تخصيص غاية بنت ناصر بن علي السالمية أموالًا لإصلاح أفلاج في قرى الحيملي وحيل الغافة، بما يدعم استمرار مورد مائي يرتبط بالزراعة وحياة السكان.
من النخيل إلى العقارات
ورصدت الدراسة تحولًا في الأصول التي تخصصها النساء للأوقاف؛ فإلى جانب النخيل والأراضي وحصص المياه التي شكلت جزءًا من الأوقاف التقليدية، ظهرت إسهامات معاصرة في المباني التجارية والسكنية والأسهم الوقفية.
ونقلت الدراسة عن رئيس فريق الرستاق الخيري ناصر بن راشد بن حميد العبري نماذج لنساء أوقفن مباني تجارية وسكنية في ولاية الرستاق، من بينها بناية تضم محلات تجارية وشققًا سكنية، وأخرى أُعيد تأهيلها وتأجيرها، إضافة إلى أرض تجارية سكنية تبلغ مساحتها 600 متر مربع، قُدرت قيمتها بأكثر من 80 ألف ريال عُماني، ويجري العمل على بنائها.
جنوب الباطنة والأوقاف
وربطت الدراسة بين المكانة التاريخية لمحافظة جنوب الباطنة ونشاطها العلمي والاقتصادي وبين نمو الأوقاف فيها، مشيرةً إلى ما تزخر به ولاياتها من قلاع وحصون وأفلاج، وإلى مكانة الرستاق بوصفها مركزًا سياسيًا وعلميًا في فترات تاريخية مختلفة.
وذكرت أن بيانات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية لعام 2025م تشير إلى تسجيل 10,298 وقفًا في المحافظة. كما أوردت أن أحد الباحثين أحصى 16 امرأة واقفة في ولاية الرستاق، بلغ مجموع أوقافهن 25 وقفًا.
وخلصت الدراسة إلى أن المرأة العُمانية لم تقتصر على تأسيس الأوقاف، بل شاركت كذلك في إدارتها ورعايتها، وأن مجالات إسهامها امتدت من التعليم والمساجد والتكافل الاجتماعي إلى صيانة الموارد المائية والاستثمار العقاري. وترى الدراسة أن هذا التنوع أسهم في دعم استمرارية المؤسسات التعليمية والخدمات الاجتماعية، وجعل الوقف أحد مسارات المشاركة المجتمعية في التنمية عبر الأجيال.






