الاتفاقية لا تكفي: كيف تتحول الزيارات الرسمية إلى صادرات واستثمارات؟

تستهدف التوجيهات تعظيم الاستفادة من اتفاقيات الزيارات الخارجية، مع إعداد خطة طويلة المدى لنمو الميزان التجاري غير النفطي يبدأ تنفيذها في 2027.

عن الكاتب

جميلة العبري
جميلة العبري

محرر وكاتب صحفي

الاتفاقية لا تكفي: كيف تتحول الزيارات الرسمية إلى صادرات واستثمارات؟
الاتفاقية لا تكفي: كيف تتحول الزيارات الرسمية إلى صادرات واستثمارات؟
مسقط – أثير
متابعة-جميلة العبرية
بين صورة التوقيع على اتفاقية، وبين وصول أول شحنة إلى سوق جديدة أو بدء مشروع في التنفيذ، توجد المسافة التي تختبر القيمة الاقتصادية الحقيقية للزيارات الرسمية، وهذه المسافة تحديدًا أعاد اجتماع مجلس الوزراء الذي ترأسه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه الأسبوع الماضي وضعها تحت الضوء، عندما وجّه جلالته الجهات المعنية إلى تعظيم الاستفادة من الاتفاقيات والتفاهمات الموقعة خلال الزيارات الخارجية بما يخدم نمو الاقتصاد الوطني وتنمية الصادرات وزيادة الناتج المحلي، بالتوازي مع إعداد خطة طويلة المدى لتعزيز نمو الميزان التجاري غير النفطي يبدأ تنفيذها في 2027.
اتسعت حركة الزيارات المتبادلة بين سلطنة عُمان وعدد من الدول الصديقة خلال الفترة من 2020 وحتى 2026 ، فزار حضرة جلالة السلطان هيثم المعظم السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين، وألمانيا ومصر وإيران، وسنغافورة والهند الأردن وتركيا، ثم اتسعت الدائرة لاحقًا إلى روسيا والجزار وبيلاروس وإسبانيا وفرنسا، ووصلت في سبتمبر 2026 إلى بوتسوانا وأنجولا.
وفي الاتجاه المقابل استقبلت سلطنة عُمان خلال هذه السنوات رؤساء وقادة من دول عدة، بينها السعودية والإمارات والأردن وتركيا والهند. وقد تباينت مخرجات هذه الزيارات بين أطر سياسية واتفاقيات تجارية وصناديق استثمار ومشروعات بنية أساسية، لكن السؤال الاقتصادي لا يتعلق بعدد الزيارات، وإنما بما بقي منها بعد انتهاء المراسم.

من الاتفاق إلى سكة حديد

تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة مثالًا واضحًا، ففي زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة إلى سلطنة عُمان في سبتمبر 2022 وُقعت 16 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت النقل والطاقة والاستثمار، ثم تطور أحد مسارات التعاون إلى مشروع “حفيت للقطارات” لربط ميناء صحار بالشبكة الإماراتية، وفي أبريل 2026 أعلنت الشركة إنجاز 40% من المشروع البالغ طوله 238 كيلومترًا، فيما سبق أن وُقعت اتفاقيات تمويل مصرفي بنحو 577 مليون ريال عُماني لمشروع تبلغ تكلفته نحو 2.5 مليار دولار، وهنا يمكن تتبع التحول من تفاهمات واتفاقيات إلى شركة وتمويل وعقود وأعمال ميدانية، ويبقى القياس النهائي بعد التشغيل مرتبطًا بحجم البضائع والصادرات وانخفاض التكلفة اللوجستية والوظائف والمحتوى المحلي.

الصادرات مع الهند

أما جمهورية الهند فتوفر نموذجًا أقرب إلى قياس أثر الاتفاقية على الصادرات، فقد زار جلالة السلطان نيودلهي في ديسمبر 2023، ثم زار رئيس الوزراء ناريندرا مودي سلطنة عُمان في ديسمبر 2025، وشهدت الزيارة توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، وصدقت سلطنة عُمان عليها بالمرسوم السلطاني رقم 30/2026، ودخلت حيز التنفيذ في الأول من يونيو 2026.
وتمنح جمهورية الهند تحريرًا جمركيًا على 77.79% من بنود التعرفة، بما يغطي 94.81% من قيمة وارداتها من سلطنة عُمان، وفي سبتمبر 2026 كانت الجهات الاقتصادية في البلدين تواصل تعريف القطاع الخاص بفرص الاتفاقية، ما يعني أن الحكم على أثرها الحقيقي يحتاج إلى متابعة صادرات 2027 وما بعدها، وعدد الشركات العُمانية التي استخدمت الامتيازات الجمركية، والمنتجات التي دخلت السوق الهندية لأول مرة.

السعودية: متابعة لما بعد الزيارة

وفي المملكة العربية السعودية يظهر أثر مختلف، إذ شهدت زيارة جلالة السلطان في يوليو 2021 توقيع مذكرة تأسيس مجلس التنسيق العُماني السعودي ليكون إطارًا لمتابعة التعاون والمشروعات المشتركة، وبعد ذلك تأسست الشركة السعودية العُمانية للاستثمار التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، مع توجه لاستثمار ما يصل إلى 5 مليارات دولار في قطاعات واعدة داخل سلطنة عُمان، وسجلت الشركة أول استثمار لها كمستثمر رئيسي بنسبة تصل إلى 20% في اكتتاب شركة أبراج لخدمات الطاقة، وهذه الحالة توضح أن نتيجة الزيارة قد لا تظهر في مشروع واحد، وإنما في مؤسسة دائمة تواصل توليد استثمارات ومبادرات لاحقة.

تركيا: صندوق وصفقات فعلية

وفي جمهورية تركيا يمكن مشاهدة المسار خلال فترة أقصر، فقد شهدت زيارة جلالة السلطان في نوفمبر 2024 توقيع 10 اتفاقيات ومذكرات تفاهم، بينها اتفاق بين جهاز الاستثمار العُماني وصندوق “أوياك” لتأسيس كيان استثماري مشترك بقيمة 500 مليون دولار، وفي أكتوبر 2025 رد الرئيس رجب طيب أردوغان بزيارة دولة إلى سلطنة عُمان شهدت توقيع إعلان وبيان مشتركين و6 اتفاقيات و8 مذكرات تفاهم، ثم أعلن جهاز الاستثمار العُماني في مايو 2026 شراء حصص في شركتين تركيتين عبر الشركة التركية العُمانية للاستثمار، أي أن جزءًا من التفاهمات انتقل إلى صفقات فعلية.

إلى أفريقيا

تضيف زيارتا جلالة السلطان إلى جمهوريتي بوتسوانا وأنجولا في سبتمبر 2026 الجاري اختبارًا جديدًا، ففي جمهورية أنجولا وحدها وُقعت 5 اتفاقيات و8 مذكرات تفاهم وبرنامج تنفيذي في مجالات سياسية واقتصادية واستثمارية، ومن المبكر الحديث عن أرقام الصادرات أو الوظائف المتحققة نتيجة لها، لكن اللحظة الحالية هي الأنسب لوضع “خط أساس” لكل اتفاقية، يحدد قيمة المشروع والجهة المسؤولة والموعد المستهدف للتمويل والتنفيذ ومؤشرات الأثر المنتظرة.

كم اتفاقية تحولت إلى اقتصاد؟

هنا تظهر الفجوة الأهم، فالبيانات الرسمية تعلن عدد الاتفاقيات وقيم بعض الصناديق والمشروعات، لكنها لا تقدم حتى الآن لوحة موحدة تجيب عن السؤال الأكثر أهمية: كم اتفاقية اقتصادية وُقعت خلال الزيارات منذ 2020، وكم منها دخل حيز التنفيذ، وكم تحول إلى مشروع ممول، وكم أضاف إلى الاستثمار والصادرات والتوظيف؟
هذه هي الدبلوماسية الاقتصادية في صورتها القابلة للقياس، أن يصبح لكل زيارة سجل متابعة بعد 12 و24 و36 شهرًا، لا تحصيها الوثائق الموقعة فقط، وإنما يرصد معدل تحولها إلى استثمار وصادرات ومشروعات وفرص عمل، وعندها يتغير السؤال بعد كل زيارة رسمية من “كم اتفاقية وُقعت؟” إلى “أين أصبحت اتفاقيات الزيارة السابقة؟”، وهو السؤال الأقرب إلى جوهر التوجيه الصادر عن مجلس الوزراء، فالاتفاقية تفتح الباب، أما الأثر الحقيقي فيبدأ عندما يعبر منه مشروع أو رأس مال أو منتج عُماني إلى سوق جديدة.

المصادر

شارك هذا الخبر